لم تعد المواجهة على الجبهة الشمالية للعدو الإسرائيلي تُقرأ ضمن إطار الحرب التقليدية القابلة للحسم عبر عملية عسكرية سريعة، بل باتت تُفهم ضمن سياق أوسع يتعلق بإدارة صراع طويل متعدد المستويات. ومع استمرار التوترات منذ عام 2023 واتساع نطاق الاشتباك في عام 2026، يتضح تدريجياً في التحليل الإسرائيلي أن البيئة الاستراتيجية المحيطة بهذه الجبهة أصبحت أكثر تعقيداً من أن تسمح بحسم عسكري مباشر. كما أن أي تصعيد واسع قد يقود إلى انفجار إقليمي يصعب احتواؤه.
في هذا السياق، يتجه التفكير الإسرائيلي نحو مقاربة تقوم على عنصرين متوازيين:
الأول هو الضغط العسكري المحدود في الشمال، والثاني هو المناورة السياسية مع الدولة اللبنانية، بهدف إعادة تشكيل معادلة الردع من دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
وبناءً عليه، تشير النقاشات داخل الأوساط السياسية والعسكرية الإسرائيلية إلى أن التعاطي مع الجبهة اللبنانية لم يعد يقوم على ثنائية الحرب أو السلام، بل على إدارة حالة صراع مفتوح. وتُظهر التقديرات أن المرحلة الحالية تمثل انتقالاً من منطق العمليات الحاسمة إلى منطق الترويع العسكري والسياسي التدريجي، في ظل التوازنات الإقليمية القائمة ومخاوف توسع الحرب.
كما يعكس هذا التحول إدراكاً متزايداً بأن التفوق العسكري وحده لم يعد كافياً لتغيير الواقع السياسي على الأرض، ما يجعل القوة أداة لضبط التوازن لا لإنهاء الصراع.
من جهة أخرى، يظهر داخل دوائر صنع القرار الإسرائيلي اتجاه يسعى إلى تحقيق تهدئة تكتيكية دون إنهاء المواجهة. ويقوم هذا الاتجاه على تكثيف العمليات العسكرية بشكل مدروس ومحدود، بهدف تحقيق مكاسب استراتيجية، أبرزها تقليص التهديدات المباشرة، ولا سيما المرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيّرة، مع تجنب الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة.
ومن هذا المنظور، تُطرح فكرة “إدارة الصراع” بوصفها خياراً أكثر واقعية من الحسم العسكري الكامل، الذي قد يترتب عليه كلفة بشرية وسياسية مرتفعة. ويُعبَّر عن ذلك بمنطق “إدارة التفوق دون حسم”، أي الحفاظ على التفوق العسكري من دون الدخول في احتلال أو حرب مفتوحة.
في هذا الإطار، يتزايد الاعتقاد داخل المؤسسة الإسرائيلية بأن أي توسع كبير في العمليات العسكرية لن يكون قراراً داخلياً صرفاً، بل مرتبطاً بدرجة أساسية بالموقف الأميركي. فالتوازنات الإقليمية والارتباط الاستراتيجي مع واشنطن يجعلان من الدعم الأميركي عاملاً حاسماً في تحديد سقف التصعيد أو مسار التهدئة. وهذا ما يعكس تحول القرار العسكري من قرار سيادي كامل إلى قرار مشروط سياسياً، ما يحد من احتمالات الحسم الواسع.
في المقابل، تُظهر التقديرات العسكرية أن المشكلة الأساسية لإسرائيل لا تزال تتمثل في استمرار التهديد الاستراتيجي الذي يشكله حزب الله، والذي لم يُحسم رغم الضربات المتكررة. لذلك تُفهم العمليات الجارية بوصفها محاولة لاحتواء القدرات وتقليصها، لا القضاء عليها بالكامل في المدى القريب. وهذا ما يخلق معادلة ردع غير مستقرة تقوم على الإيذاء المتبادل دون قدرة على الإنهاء.
كما يشهد الداخل الإسرائيلي نقاشاً واضحاً حول جدوى استمرار الحرب. فهناك اتجاه يدعو إلى مواصلة الضغط العسكري لإضعاف الخصم، في مقابل اتجاه آخر يحذر من حرب طويلة قد تتحول إلى استنزاف عسكري واقتصادي، وتعيد إنتاج تجارب غير محسومة. ويعكس هذا الانقسام غياب إجماع استراتيجي حول تعريف “النصر” في هذه الجبهة.
وتزداد داخل المؤسسة العسكرية المخاوف من التورط في مواجهة طويلة منخفضة الوتيرة، تستمر فيها الضربات المتبادلة دون حسم. ففي هذا السيناريو، تتحول الجبهة إلى حالة استنزاف مزمن بدل أن تكون ساحة حسم، ما يفرض إعادة التفكير في الاستراتيجية كلياً.
إلى جانب ذلك، يبرز نقاش سياسي يرى أن الحل العسكري وحده غير كافٍ لإعادة تشكيل المعادلة الأمنية على الحدود اللبنانية. ووفق هذا الاتجاه، فإن أي تسوية مستدامة تتطلب مساراً سياسياً يفرض ترتيبات أمنية جديدة على الدولة اللبنانية، سواء عبر تعزيز دورها في ضبط الحدود، أو عبر ترتيبات تتعلق بملف السلاح شمال نهر الليطاني. وهنا يظهر اتجاه لنقل مركز الثقل من الجبهة العسكرية إلى الدولة اللبنانية بوصفها طرفاً ضابطاً للصراع.
وفي سياق النقاش حول “المنطقة الأمنية العازلة”، يمكن التمييز بين ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
سيناريو الشريط الأمني الضيق:
إنشاء منطقة بعمق يتراوح بين 5 و10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، تخلو من السكان والبنى التحتية، بهدف إبعاد التهديد المباشر عن الحدود.
سيناريو التوسع حتى نهر الليطاني:
وهو إنشاء منطقة بعمق يتراوح بين 20 و30 كيلومتراً، بما يقلل من خطر الصواريخ قصيرة المدى على العمق الإسرائيلي.
سيناريو العمليات الواسعة:
يشمل تحويل معظم جنوب لبنان إلى منطقة عمليات عسكرية مفتوحة. إلا أن هذا السيناريو يُعد الأعلى خطورة، نظراً لاحتمال تحوله إلى مواجهة طويلة أو احتلال يؤدي إلى استنزاف واسع.
وتعكس هذه السيناريوهات انتقالاً في التفكير الإسرائيلي من منطق “الدفاع الحدودي” إلى منطق “إعادة هندسة الجغرافيا الأمنية”، وهو تحول استراتيجي بالغ الدلالة.
في المحصلة، يتضح أن النقاش داخل إسرائيل لا يتمحور حول خيار الحرب أو السلام بقدر ما يتمحور حول إدارة صراع معقد غير قابل للحسم السريع. فالتوازنات العسكرية على الجبهة اللبنانية، والتشابك الإقليمي مع إيران، والقيود السياسية المرتبطة بالموقف الأميركي، تجعل من الحسم خياراً عالي المخاطر.
لذلك تبقى الاستراتيجية الإسرائيلية في نطاق “إدارة التهديد” لا حسمه، عبر مزيج من الاستنزاف المحدود، والردع المتدرج، وإعادة ضبط قواعد الاشتباك. غير أن هذه المقاربة، رغم قدرتها على منع الانفجار الشامل في المدى القصير، تبقي جذور الصراع قائمة، وتؤسس لمرحلة طويلة من التصعيد والتهدئة المتبادلة دون تسوية نهائية.
في النهاية، لا يبدو مستقبل الجبهة اللبنانية متجهاً نحو تسوية قريبة أو حسم عسكري واضح، بل نحو مرحلة ممتدة من إدارة الصراع، تتحول فيها الحدود الشمالية إلى ساحة اختبار دائمة لمعادلات الردع. وبهذا، ينتقل الصراع من حالة طارئة إلى بنية استراتيجية مستقرة نسبياً داخل معادلات الأمن الإقليمي، حيث تُدار الأزمة دون حل نهائي، ويظل الاستقرار مؤجلاً بانتظار تحولات إقليمية أوسع.