هذه القصّة أخبرني بها رجل أمنٍ مخضرم من إحدى الدول العربيّة بعد إحالته على التقاعد، ومفادها أنّ فنّانًا عربيًّا كان يعمل نحّاتًا ومتخصّصًا في صناعة التماثيل. وذات يوم صنع تمثالًا أسماه «مسؤول»، ثم وقف في السوق ينادي:
ـ المسؤول بدولار... المسؤول بدولار... تعالَ واشترِ المسؤول بدولار.
وفجأة استوقفه أحد ضبّاط المخابرات وسأله:
ـ هل أنت من صنع هذا التمثال؟
الفنّان: نعم، سيّدي.
الضابط: وبكم سعر الواحد؟
الفنّان: بدولارٍ واحد فقط.
الضابط، متعجّبًا: معقول أن يكون التمثال بدولار واحد؟ ولماذا هذا التدنّي في السعر؟ وممَّ صُنع التمثال؟
الفنّان: من ماءٍ ورملٍ وبعض القمامة، سيّدي.
عندها قام الضابط، بشكل هستيريّ، باعتقال الفنّان وزجّه في السجن بعد أن أوسعه ضربًا وتعذيبًا.
وبعد فترةٍ من الزمن أُطلق سراحه، شرط ألّا يصنع التماثيل ويبيعها مرّةً ثانية.
لكنّه، وبعد مدّة، عاد إلى السوق وبحوزته بعض التماثيل، وصار ينادي:
ـ المواطن بدولار... تعالَ واشترِ المواطن بدولار.
رآه الضابط نفسه مجدّدًا، فاقترب منه وسأله:
ـ بكم سعر المواطن؟
الفنّان: بدولار.
الضابط: ممتاز... وممَّ هو مصنوع؟
الفنّان: من ماءٍ ورمل، سيّدي.
الضابط: ولماذا لا توجد قمامة في الخلطة؟
الفنّان: لأنّه إذا وُضعت القمامة في الخلطة يصبح التمثال مسؤولًا، سيّدي...
إنّها الخلطة السحريّة في دهاليز السياسة الجهنّميّة، حيث يتميّز بعض المسؤولين بخليطٍ يليق بتصرّفاتهم تجاه الشعوب. فهل هناك ما يليق بهم أكثر من القمامة؟
ويبقى الجواب عند المواطن البسيط، ذاك الذي يدفع أثمان الأوهام من كرامته ولقمة عيشه، فيما تتبدّل الوجوه وتبقى الخلطة نفسها. وحين يدرك الناس أنّ الأوطان لا تُبنى بالقمامة السياسيّة، بل بالوعي والكرامة والمحاسبة، عندها فقط تنقشع الغمامة وتُبصر العيون حقيقة ما لديها وما فقدته.