لا يزال ملف قانون العفو العام يشكل محوراً للنقاشات السياسية والقانونية في لبنان، رغم إرجاء البحث فيه نيابياً تحت شعار "التوافق". وفي هذا السياق، يرى الخبير الدستوري والقانوني سعيد مالك أن الفلسفة التي استند إليها المشرعون في صياغة الاقتراح الحالي تبتعد عن "مبدأ الإنصاف" لتصب في خانة "تسوية سياسية"، مشيراً إلى أن القانون بصيغته الراهنة يضرب مبدأ المساواة الدستوري بمنحه العفو لفئات وحجبه عن أخرى ارتكبت الجرائم ذاتها .
أبعاد قانونية وسياسية متباينة يلفت مالك إلى أن المرحلة السابقة، التي امتدت لأكثر من عشر سنوات، شهدت فبركة ملفات أمنية لأسباب سياسية تتعلق بمعارضة النظام السوري والمشروع الإيراني، مما يجعل إصدار عفو يشمل تلك الأحكام ضرورة ملحة. كما يتناول القانون ملف اللبنانيين المبعدين إلى إسرائيل، حيث يطرح إشكالية حق العودة الموازي لقوانين سابقة لم تُفعل إجرائياً . وفي مقابل ذلك، يثمن مالك استثناء تجار المخدرات من العفو، مؤكداً في الوقت ذاته على ضرورة عدم التهاون مع من تورطوا في سفك دماء عناصر الجيش والأجهزة الأمنية، معتبراً أن التسامح مع هذه الجرائم يشكل خطراً على الدولة .
العفو كمرآة للتحولات الكبرى من جهة أخرى، يرى الكاتب أمين بشير أن ملف العفو العام في لبنان لم يكن يوماً قانونياً بحتاً، بل هو مرآة للتوازنات السياسية. ويؤكد أن النقاش الحالي لا ينفصل عن التحولات الإقليمية الكبرى، لا سيما مع انهيار النظرة التقليدية التي صنفت مكونات المنطقة بين "اعتدال" و"تطرف" خلال العقود الماضية .
ويشير بشير إلى عدة نقاط جوهرية في هذا الملف:
أزمة العدالة: يعاني لبنان من فضيحة قانونية تتمثل في بقاء آلاف الموقوفين دون محاكمات لسنوات، وهو ما يجعل من العفو تسوية لتغطية فشل النظام القضائي بدلاً من إصلاحه .
تغير موازين القوى: يربط بشير الحماسة الحالية لإقرار العفو بسعي بعض القوى، وعلى رأسها حزب الله، لتقديم مكاسب لبيئتها في ظل مرحلة إقليمية تتسم بمعاداة المشروع الإيراني، بالتوازي مع استعادة البيئة السنية لدورها السياسي بعد سنوات من التهميش.
ملف المبعدين: يرى بشير أن إعادة طرح ملف المبعدين إلى إسرائيل يأتي في سياق سياسي جديد، حيث لم تعد الاتصالات مع إسرائيل مقتصرة على الأمن، بل أصبحت جزءاً من مسار سياسي قد يغير طبيعة التعاطي مع قوانين المقاطعة القديمة .
الخلاصة: هل هو إصلاح أم هدنة؟ يخلص الطرح إلى أن العفو العام في ظل غياب إصلاح قضائي حقيقي يبقى مجرد تسوية سياسية مؤقتة. فلبنان اليوم لا يحتاج إلى عفو "يؤجل الانفجار"، بل إلى إعادة تعريف لمفهوم العدالة والدولة، بعيداً عن الصفقات الطائفية والحسابات السياسية العابرة، لضمان بناء نظام قضائي مستقل ينهي حقبة الاستخدام السياسي لملفات الأمن والتخوين .