رغم الهدوء النسبي الذي يسود جبهات القتال في جنوب لبنان بعد أيام من المواجهات العنيفة، تكشف شهادات جنود إسرائيليين من داخل الميدان أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بدأت فعلياً التحضير للمرحلة التالية من عملياتها، والتي تشمل الانسحاب من مواقع متقدمة وعميقة داخل الأراضي اللبنانية والتمركز في خطوط دفاعية خلفية تعتبرها أكثر فعالية واستدامة.
وبحسب تقرير للصحافي أليشع بن كيمون في موقع "Ynet" الإسرائيلي، فإن حالة الهدوء الحالية لا تخدع القوات المنتشرة في العمق اللبناني، إذ يؤكد الجنود أن الهدوء مؤقت وأنهم يتوقعون استئناف المواجهات في أي وقت.
ويأتي ذلك بعد نهاية أسبوع وصفه الجنود بالصعب، شهد معارك مكثفة وسقوط 5 جنود إسرائيليين. وقال أحد المقاتلين المشاركين في العمليات: "مررنا بعطلة نهاية أسبوع صعبة جداً. قائد الكتيبة 52 دور بن شمعون والجنود التابعون له قاتلوا معنا كتفاً إلى كتف وكان ذلك حدثاً مهماً للغاية. حالياً لا توجد هجمات نارية كثيرة إلى الأمام لكن التعليمات في نطاق مسؤوليتي واضحة وكل من يرصد تهديداً يفتح النار فوراً ولا يوجد أي نقاش حول ذلك".
وأشار التقرير إلى أن الجيش الإسرائيلي بدأ رسم ملامح المرحلة المقبلة انطلاقاً من قناعة متزايدة بأن القوات ستضطر لاحقاً إلى الانسحاب نحو خطوط دفاعية خلفية بهدف توفير حماية أفضل للجنود ولسكان شمال إسرائيل على حد سواء. ووفقاً للجنود فإن المواقع الحالية تعد متقدمة وعميقة جداً داخل الأراضي اللبنانية.
وقال أحد الجنود: "على الأرجح لن نحتل في الوقت الحالي أكثر مما احتللناه حتى الآن. نشعر أننا نحضّر الحزام الأمني التالي. يجب أن نفهم أن الحديث يدور عن مساحة هائلة يجب السيطرة عليها. المهمة الأساسية حالياً هي توفير حماية أفضل للقوات على الطرقات وفي المواقع الدفاعية".
وفي ما يتعلق بالبنية التحتية العسكرية تحت الأرض، أوضح التقرير أن معالجة الأنفاق في منطقة تلة علي الطاهر جرى تعليقها مؤقتاً بسبب اعتبارات عملياتية. وتعمل وحدات خاصة من بينها وحدة "يهلوم" وقوات الكوماندوس على تقييم الوضع ومحاولة فهم امتدادات شبكة الأنفاق في المنطقة.
في المقابل، يؤكد الجيش الإسرائيلي أن النشاط العسكري لم يتوقف بل إن القوات لم تدخل بعض المواقع خلال اليومين الماضيين فقط وتواصل العمل وفق الخطط العملياتية الموضوعة مسبقاً. كما لا تزال هناك تساؤلات حول كيفية التعامل مع مجمع علي الطاهر الذي يعتبر من أبرز مراكز الثقل التابعة لحزب الله في جنوب لبنان. كذلك تحدث التقرير عن استمرار وجود مسلحين في منطقة تبنين وبعضهم محاصر داخلها.
ويشير التقرير إلى أن طبيعة المهمة العسكرية بدأت تتغير ميدانياً، إذ باتت الجهود الهندسية تتركز بصورة أكبر على فتح الطرقات والمسالك بدلاً من هدم المباني الذي كان يشكل المهمة الرئيسية في المراحل السابقة من العمليات.
وقال جندي آخر: "الناس في إسرائيل لا يدركون أننا موجودون في عمق كبير جداً داخل الأراضي اللبنانية. إنها مسافة هائلة تستغرق ساعات من القيادة انطلاقاً من الحدود. تمر عبر قرية تلو الأخرى. العمل الذي أنجز لفتح الطرق هنا هائل. وفي المقابل نحن موجودون في نقطة تمنع الإضرار بمنظومة الصواريخ. وفي منطقة الشقيف ترى الواقع بأم العين فأنت داخل القرى ومتقدم إلى عمق كبير".
وترى مصادر عسكرية إسرائيلية أن البقاء في هذه النقاط البعيدة لن يكون ذا جدوى عملياتية بعد استكمال مهمة تدمير البنى التحتية. وتقول هذه المصادر: "من أجل حماية سكان الشمال لسنا بحاجة إلى البقاء فعلياً في هذا العمق. يمكن ويجب أن نتراجع خطوة إلى الخلف. من الضروري البقاء إلى ما بعد نهر الليطاني لإبعاد التهديدات لكن بعد انتهاء المهمة لا يوجد سبب للاستمرار في هذه المواقع. يجب إقامة حزام أمني واضح. لا حاجة للعودة إلى خط الحدود القديم ولكن لا ضرورة أيضاً للانتشار في العمق".
كما ربط التقرير بين التصريحات المتتالية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس بشأن حجم استخدام القوة النارية وبين محاولات طمأنة الجنود بأن أيديهم ليست مقيدة خلال وجودهم داخل الأراضي اللبنانية.
وأشار إلى أن بيان نتنياهو الاستثنائي أمس جاء بعد محادثة أجراها مع رئيس الأركان وقائد المنطقة الشمالية وأكد فيه أن "الجيش الإسرائيلي سيواصل العمل بحزم لإحباط التهديدات ضد جنودنا ومواطنينا".
ورغم تأكيد الجيش الإسرائيلي أن قواته لم تبدأ بعد الانسحاب من مواقعها الحالية فإن مجمل المؤشرات الميدانية وخطط الانتشار القائمة تعكس استعداداً واضحاً للانتقال إلى مرحلة دفاعية جديدة عنوانها تثبيت السيطرة من الخلف بدلاً من التوغل المستمر في العمق اللبناني.
وبينما تتحدث إسرائيل عن إعادة تموضع عسكري وحزام أمني جديد فإن التطورات الميدانية تشير إلى أن معركة جنوب لبنان لم تصل بعد إلى نهايتها وأن مرحلة ما بعد التوغل قد تكون أكثر حساسية من التوغل نفسه.