يُروى أنّ رجلًا من أهل الحضر اشترى بنطالًا جديدًا ليزهو به صباح العيد، غير أنّه فوجئ بأنه أطول من قامته بمقدار أربعة أصابع.
تناوله بيده، ومضى إلى زوجته قائلًا:
«يا حبيبتي، هذا البنطال يحتاج إلى تقصير بمقدار أربعة أصابع، فهلاّ قصصته وكففته لأرتديه غدًا؟»
رمقته بنظرة عاتبة وقالت:
«ومن أوحى إليك أنني خيّاطة؟ اذهب إلى شقيقتك، فلعلّها تقوم بما عجزتُ عنه!»
ذهب إلى شقيقته، وعرض عليها الأمر، فابتسمت ساخرة وقالت:
«ولِمَ أنا؟ أزوجتك لا تُحسن الإمساك بإبرة وخيط؟ اذهب إلى أمّك، فهي أدرى بهذه الأمور.»
ولم يجد الرجل بدًّا من طرق باب أمّه، راجيًا أن تنقذه. لكنها قالت وهي تهزّ رأسها:
«يا بنيّ، لقد أثقل العمر بصري، ولم أعد أقوى على مثل هذا العمل.»
عاد يجرّ أذيال الخيبة، وقد أنهكته الأعذار، ووضع البنطال على الكرسي، ثم آوى إلى فراشه وهو يلعن سوء حظّه.
غير أنّ ضمير الزوجة استيقظ بعد هدوء الليل، فأخذت البنطال، وقصّت منه أربعة أصابع، وكفّته بعناية، ثم أعادته إلى مكانه.
ولم تمضِ ساعة حتى تأنيب الضمير نفسه طرق باب الشقيقة، ففعلت ما فعلته الزوجة، ثم أعادت البنطال كما كان.
أما الأم، فقد غلبها حنانها، وقالت في نفسها: «لا يجوز أن أترك ولدي يخرج يوم العيد ببنطال طويل.» فأخذته، وقصّت منه أربعة أصابع أخرى، وكفّته، ثم أعادته مطمئنة.
وحين بزغ صباح العيد، ارتدى الرجل ثياب الفرح، ومدّ يده إلى البنطال، فإذا به قد انكمش حتى صار أقرب إلى سروال طفل، لا إلى ثوب رجل. وقف مذهولًا، يضرب الأخماس بالأسداس، لا يدري أيبكي على البنطال أم يضحك من هذه المفارقة التي نسجتها الأيدي الحسنة النيّة!
وهكذا هي حال حكوماتنا، وسلطاتنا، ولجاننا، وهيئاتنا، وخططنا «الإصلاحية». فكلّ جهة ترى نفسها الأحرص على المصلحة، فتمدّ يدها إلى المشكلة، تعديلًا وترميمًا وتصحيحًا، من غير رؤية موحّدة ولا مسؤولية واضحة، حتى إذا اجتمعت الأيدي على الإصلاح، خرج الوطن أشبه بذلك البنطال؛ فقد من طوله، ومن هيبته، ومن صلاحيته، ولم يبقَ فيه ما يستر عجز أصحابه.
ليست الكارثة في قلّة العاملين، بل في كثرة المتدخّلين. فحين يغيب العقل الذي ينسّق، والحكمة التي تضبط، تصبح المبادرات الفردية عبئًا، وتتحوّل النوايا الطيبة إلى سلسلة من الأخطاء المتراكمة. وعندها لا يعود المواطن يسأل: من أخطأ؟ بل يكتفي بالنظر إلى حاله... ويقول بأسى: لقد قصّوا الوطن كما قصّوا ذلك البنطال، حتى أوصلونا جميعًا... إلى الحديدة.