24 محرم 1448

الموافق

الجمعة 10-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "جوامع الكَلِم وروح البيان"!
"جوامع الكَلِم وروح البيان"!
القاضي م جمال الحلو
2026-07-08
"جوامع الكَلِم وروح البيان"!

 

(رحلة في فصاحة النبي العربي محمد صلى الله عليه وسلم)

لم يُؤتَ أحدٌ من خلق الله مثلما أُوتِي سيِّدُ الكائنات، النبي العربي محمد صلى الله عليه وسلم. فقد أُوتِي جوامعَ الكَلِم، فكان بكلماتٍ قليلة يختصر المطوَّلات والشروح، فتصل الفكرة إلى المتلقِّي بومضةٍ من نور، ولمحةٍ من بيان، وإشراقةٍ من هداية.

وإذا أردتَ عناوينَ لرسائل الماجستير أو أطروحات الدكتوراه، يمكنك اللجوء إلى حديثٍ مختصر تنطلق منه لتصل إلى أهم الدراسات والبحوث والمقالات الموسوعية، إذ إن كثيرًا من الأحاديث النبوية الشريفة كانت منطلقًا لبحوثٍ علميةٍ واسعة، لما اختزنته من معانٍ ودلالات وآفاقٍ معرفية.

ولنعطِ نموذجًا مختصرًا من الأحاديث الصحيحة، إلى جانب بعض الأقوال المأثورة المشهورة:

من الأحاديث الصحيحة:

««إماطة الأذى عن الطريق صدقة.»»

««تبسُّمك في وجه أخيك صدقة.»»

ومن الأقوال المأثورة المشهورة:

««الدنيا مزرعة الآخرة.»»

««الاقتصاد نصف المعيشة.»»

وغير ذلك كثير… إنها جوامع الكَلِم، تختصر الشروح المطوَّلة، فتصل الفكرة إلى القارئ الفطن بلمحةٍ من وهج الإنارة، وصدق العبارة.

فعندما أكتب مقالًا، أكون بين أمرين:

إمّا أن أبتكر الفكرة، وأعمل جاهدًا على إيصالها بسلاسة إلى المتلقِّي.

أو أن أتبنّى فكرةً موجودةً في الواقع المعاش، أو سبق أن طُرحت في سياقٍ تاريخيٍّ موثَّق، فأصوغ لها توليفةً خاصة، وحُلَّةً جديدة، وصيغةً مميَّزة، ثم أضع الإطار العام للمقال بشكلٍ ممهورٍ ببصمةٍ خاصة.

قد أُخطئ وقد أُصيب، فإذا اجتهدتُ فأخطأتُ فلي أجرٌ بذلك، وإن اجتهدتُ فأصبتُ فلي أجران.

ولفت انتباهي أنَّ البعض يريد التقليد الأعمى، لعلَّه يكون محطَّ الأنظار بما يُشاع من أخبار. ولهذا أقول:

إذا أردتَ التقليد، فاعتمد التجديد في السرد، والتحديد في مبتغاك كي تصل إلى هواك! لكن انتبه للسقطات في عالم الخلطات، فادرس البيان والتبيين، واستوعب الاستعارة والتشبيه، وتعرَّف إلى البديع، وتعلَّم الجناس التام وغير التام، واقرأ الطباق والمقابلة، وتعوَّد على السجع، كي لا يلامسك الوجع بأن ذهب وما رجع، وضاق وما اتَّسع.

وانتبه إلى القُطبة المخفية في الجمل اللفظية، وخذ علمًا بمحطِّ الكلام كي لا تُلام، وأحط خبرًا بفحوى المعاني، كما في كتاب «الأغاني».

وأمّا الذي يرمي الكلام جزافًا، ويختار منه الأسوأ، فأقول ما قاله الإمام الشافعي:

«يخاطبني السفيهُ بكلِّ قبحٍ
فأكرهُ أن أكونَ له مجيبًا
يزيدُ سفاهةً فأزيدُ حلمًا
كعودٍ زاده الإحراقُ طيبًا»

وإن كان لابن المقفَّع محطُّ كلامٍ يبدأ بقوله: «زعموا أنَّ…»، فلابن الحلو محطُّ كلامٍ يبدأ بقوله: «يُحكى ويُروى…».

إنها جوامع الكَلِم، والقطبة المخفية، وسحر البيان حين يقترن بصدق المقصد. فحذارِ من التقلُّبات الجوية في الأقوال، ومن التقلُّبات الفكرية في المعاني.

فالكلمة ليست حروفًا تُصفُّ في سطور، وإنما رسالة، ومسؤولية، وأمانة. وإذا اجتمع صدق الفكرة مع جمال العبارة، بقي الأثر في العقول والقلوب، وكان البيان نورًا يهدي، لا ضجيجًا ينقضي. وما أجمل أن يكون الكاتب تلميذًا في مدرسة الكلمة الصادقة، يستلهم من جوامع الكَلِم صفاءها، ومن البيان العربي رونقه، ومن الإخلاص بركته.

 

أخبار مماثلة