كيف يكتب المرء عن إنسانٍ اجتمعت فيه رهافةُ الشاعر، ووقارُ المربّي، ونُبلُ الإنسان، من غير أن تعجز الكلمات عن الإحاطة بشيءٍ من فضله؟!
فهناك رجالٌ لا ينتهي حضورهم برحيلهم، لأنهم يودِعون في القلوب أثرًا لا يبهت، وفي الذاكرة صورةً لا تغيب، وفي الأدب جمالًا يبقى ما بقيت الكلمة الصادقة. وكان الشاعر والأديب اللبناني أنطوان مالك طوق واحدًا من أولئك الرجال النادرين الذين يمضون عن الدنيا، لكنهم لا يغادرون وجدان الذين عرفوهم أو قرأوهم.
ولم يكن أنطوان، بالنسبة إليّ، شاعرًا أتابع نتاجه الأدبي فحسب، بل كان أخًا وصديقًا وجارًا. جمعتنا سنواتٌ من الألفة في منطقة الصنائع في بيروت، حيث عاش مع والده الشاعر الكبير مالك طوق، ووالدته الكريمة، وإخوته هاني ودنيا وعماد ودونيز، في بيتٍ كان الأدب فيه هواءً يُستنشَق، والثقافةُ خُلُقًا يُمارَس، قبل أن تكون مهنةً أو هواية.
نشأ في كنف الشعر، فكان امتدادًا لأبيه، لكنه لم يكن ظلَّه، بل صنع صوته الخاص، ونسج تجربته المميزة. كتب بالفصحى كما كتب بالعامية اللبنانية، وجعل من الكلمة بيتًا للصدق، ومن القصيدة مرآةً للوجدان. ولم يكن ممن يطلبون الشهرة، ولا ممن يستجدون الأضواء، بل كان يؤمن بأن الكلمة الأصيلة هي التي تهدي صاحبها إلى الناس، لا العكس، وأن الشاعر الحقيقي يُعرف بما يكتب، لا بما يقول عن نفسه.
درس الفلسفة، فانعكست أسئلتها العميقة في شعره، وعمل في التربية والتعليم، فحمل رسالتها النبيلة بإخلاص، ونال شهادة الدكتوراه، وأسهم في الحياة الثقافية اللبنانية بعلمٍ ورصانة. وأصدر دواوين شكّلت محطات بارزة في تجربته الشعرية، منها: «امرأة متعددة»، و«خيّال ع ضهر الفرس»، و«قبيلة... وما حدا»، و«فليخنقِ الراويةَ وليرجمِ السحّارَ». كما حفظ تراث والده الشاعر مالك طوق، وتعاهده بالمحبة والوفاء، في موقفٍ يختصر وفاءه للعائلة كما للكلمة.
وكان لبنان يسكن قصائده كما يسكن القلبُ الجسد. ففي شعره، لا يبدو جبل بشري ووادي قاديشا مجرد مكانين، بل كيانين نابضين بالحياة، يحملان ذاكرة الأرض وإيمان الإنسان. ويكفي أن نصغي إلى صوته في قصيدته «هيدا الوادي بلا عمر»، إذ يقول:
«هيدا الوادي بلا عمر
في عمار ما بنتقاس بالوقت
مارق عمّ يلمّ الناس...»
ثم يتابع:
«هون أهلي اجتمعوا وعملوا القصر
والمدرسة والدير والمتراس...»
وفي قصيدةٍ أخرى، يخاطب لبنان بثقة المحب وإيمان المؤمن:
«إنتِ فوق... ما في خوف بالفوق
في كعب بالأرزات من بيت طوق...»
إنها ليست أبياتًا تصف الطبيعة، بل رؤيةٌ لوطنٍ رآه رسالةً، ولإنسانٍ آمن بأنه القيمة العليا التي تستحق أن تُخلَّد في الشعر.
غير أنّ الصورة الأجمل التي أحتفظ بها لأنطوان ليست تلك التي رسمتها القصائد، بل تلك التي رسمتها الأيام. عرفته هادئًا، متواضعًا، عذب المعشر، يسبق احترامُه للناس اسمه، ويغلب حضوره كلَّ ضجيج. لم أرَ فيه يومًا تكلّفًا ولا ادّعاءً، بل رأيت إنسانًا نقيَّ السريرة، وفيًّا لأصدقائه، كريمًا في مشاعره، كأنّه ينتمي إلى زمنٍ كانت فيه الأخلاق زينة الإنسان، وكانت الكلمة عهدًا لا يُنكث.
رحل أنطوان مالك طوق، لكنّ الرحيل لم يستطع أن يطوي حضوره. فما زالت قصائده تنبض بالحياة بين دفّتي دواوينه، وما زالت سيرته العطرة تسكن ذاكرة كل من عرفه أو قرأه. وسيظلّ، في يقيني، واحدًا من آخر النبلاء في زمنٍ ارتفع فيه الضجيج، وخفت فيه صوت القيم؛ لأن النبل لا يُقاس بما يناله المرء من شهرة، بل بما يتركه من محبة في القلوب، وأثرٍ في العقول، وجمالٍ في الأدب.
رحم الله أنطوان مالك طوق، الشاعر الذي عاش وفيًّا للإنسان، وللكلمة، وللبنان، ورحل تاركًا إرثًا أدبيًا وإنسانيًا سيبقى شاهدًا على أن الكلمة الصادقة لا تموت، وأن أصحاب القلوب النبيلة يبقون، وإن غابوا، أحياءً في ذاكرة الزمن.