قراءة في تصريحات الدكتور سلام فياض...
في اللحظات المصيرية من تاريخ الشعوب، لا تكفي الدعوات إلى الإصلاح إذا لم تُسبق بمراجعة وطنية صادقة وشجاعة للمسؤوليات. فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ بتشخيص أخطاء الآخرين، بل يبدأ بالاعتراف بالدور الذي لعبه كل طرف في الوصول إلى الأزمة. ومن دون هذا الاعتراف، تتحول الدعوة إلى الإصلاح إلى مجرد خطاب سياسي يفتقد المصداقية.
من هذا المنطلق، تستحق التصريحات الأخيرة لرئيس الوزراء الفلسطيني الأسبق الدكتور سلام فياض نقاشاً وطنياً مسؤولاً، لا لأنها طرحت أفكاراً جديدة، وإنما لأنها أعادت إنتاج خطاب يتحدث عن الإصلاح، بينما يتجنب ملامسة جوهر الأزمة الفلسطينية وتشخيص أسبابها الحقيقية.
لا أحد يختلف على أن السلطة الوطنية الفلسطينية بحاجة إلى إصلاح سياسي وإداري عميق، وأن منظمة التحرير الفلسطينية تحتاج إلى إعادة بناء وتفعيل وتجديد مؤسساتها، وأن النظام السياسي الفلسطيني برمته يعيش أزمة شرعية وفاعلية وتمثيل. لكن الخطأ يكمن في اختزال هذه الأزمة في أداء السلطة أو القيادة الحالية وحدها، وكأن بقية القوى السياسية كانت خارج المشهد، أو لم تكن شريكاً في صناعة هذا الواقع.
لقد كان الدكتور سلام فياض جزءاً من النظام السياسي الفلسطيني، وتولى رئاسة الحكومة في واحدة من أكثر المراحل حساسية بعد الانقسام الفلسطيني عام 2007. ومن حقه، بل من واجبه، أن يقدم رؤيته للإصلاح، لكن من حق الشعب الفلسطيني أيضاً أن يتساءل: ما هي المراجعة النقدية التي يقدمها الرجل لتجربته؟ وما هي مسؤوليته السياسية والأخلاقية عن المرحلة التي كان أحد أبرز صناعها؟ فالمصداقية في الدعوة إلى الإصلاح تقتضي أن يبدأ المرء بمراجعة تجربته قبل مطالبة الآخرين بمراجعة تجاربهم.
غير أن الملاحظة الأبرز في تصريحاته، أنها تكاد تتجاوز مسؤولية حركة حماس عن أحد أخطر التحولات التي أصابت المشروع الوطني الفلسطيني، والمتمثل في الانقسام السياسي والجغرافي، وإقامة سلطة موازية في قطاع غزة، واحتكار قرار الحرب والسلم خارج إطار الشرعية الوطنية. وهذا ليس تفصيلاً عابراً، بل هو أحد أهم أسباب إضعاف النظام السياسي الفلسطيني، وإرباك المشروع الوطني، وتعميق الانقسام الداخلي.
لقد أثبتت التجربة أن أي مشروع وطني لا يمكن أن ينجح في ظل وجود سلطتين، وقرارين سياسيين، وسلاحين، ورؤيتين متناقضتين لإدارة الصراع. كما أثبتت أن الوحدة الوطنية لا تُختزل في تشكيل حكومة توافق أو توقيع اتفاق جديد، وإنما تقوم على مرجعية وطنية واحدة، وقرار سياسي واحد، وسلطة شرعية واحدة، وسلاح يخضع للقرار الوطني الجامع، واحترام مؤسسات النظام السياسي وقواعد العمل الديمقراطي.
ومن هنا، فإن الحديث عن تفعيل "الإطار القيادي الموحد" أو تشكيل حكومة توافق وطني لن يكون مدخلاً حقيقياً للحل إذا لم يسبقه اتفاق واضح على هذه المبادئ، وإذا لم يكن الهدف إنهاء الانقسام فعلاً، لا إعادة تنظيمه أو منحه شرعية جديدة.
لقد شهد الفلسطينيون منذ عام 2007 سلسلة طويلة من اتفاقات المصالحة؛ من مكة إلى القاهرة، ومن الدوحة إلى الشاطئ، ومن الجزائر إلى بكين. ولم تفشل تلك الاتفاقات بسبب نقص المبادرات أو ضعف النصوص، وإنما بسبب غياب الإرادة السياسية، واستمرار تغليب المصالح الفصائلية والتنظيمية على المصلحة الوطنية العليا.
كما أن تجاهل ما ترتب على أحداث السابع من أكتوبر وما أعقبها من حرب مدمرة على قطاع غزة، لا يساعد على بناء رؤية إصلاحية متكاملة. فبغض النظر عن المواقف السياسية من تلك العملية، فإن من غير المقبول أن يبقى قرار الحرب والسلم خارج إطار المؤسسة الوطنية الجامعة، بينما يتحمل الشعب الفلسطيني وحده نتائج هذا القرار من دمار هائل، وخسائر بشرية غير مسبوقة، ومحاولات للتهجير، وتسارع مشاريع الضم والاستيطان، وتعريض القضية الفلسطينية برمتها لمخاطر وجودية.
وهنا تكمن المعضلة الحقيقية؛ فالإصلاح لا يعني تحسين الأداء الإداري، ولا تشكيل حكومة كفاءات، ولا إعادة توزيع المناصب، بل يعني إعادة تأسيس النظام السياسي الفلسطيني على أسس جديدة، قوامها الديمقراطية، وسيادة القانون، والفصل بين السلطات، والمساءلة، ووحدة القرار الوطني، وتجديد الشرعيات عبر الانتخابات كلما توفرت الظروف المناسبة.
لكن هذا الإصلاح لا يمكن أن يتحقق إذا استمرت بعض النخب السياسية في تقديم نفسها وكأنها كانت خارج دائرة المسؤولية. فمن شارك في صناعة المرحلة، يتحمل مسؤولية نتائجها، ولا يستطيع أن يتحول إلى داعية للإصلاح من دون مراجعة صريحة لتجربته، والاعتراف بما أخفق فيه، تماماً كما يُطالب الآخرين بذلك.
وفي المقابل، فإن تحميل الرئيس محمود عباس وحده مسؤولية الأزمة، أو تحميل حركة حماس وحدها جميع أسباب الانقسام، لا يعكس حقيقة المشهد. فالأزمة الفلسطينية هي أزمة نظام سياسي كامل، وأزمة نخبة سياسية، وأزمة فصائل، وأزمة ثقافة سياسية غلبت الولاءات التنظيمية على مفهوم الدولة، وقدمت المصالح الفئوية على المصلحة الوطنية.
إن القضية الفلسطينية لم تعد تحتمل استمرار سياسة تبادل الاتهامات أو الهروب من المسؤولية. فالمراجعة الوطنية يجب أن تشمل الجميع دون استثناء: السلطة الوطنية، ومنظمة التحرير الفلسطينية، وحركة فتح، وحركة حماس، وسائر الفصائل والقوى السياسية. فلا أحد يستطيع أن يدعي امتلاك الحقيقة كاملة، ولا أحد يستطيع أن يتنصل من مسؤوليته عما آلت إليه القضية الفلسطينية. فالنقد الصادق يبدأ بالنقد الذاتي، والإصلاح الحقيقي يبدأ بالاعتراف بالأخطاء، ثم الانتقال إلى بناء نظام سياسي جديد، يقوم على الديمقراطية، والشراكة الوطنية، ووحدة القرار، وسيادة القانون، واحترام إرادة الشعب.
إن الشعب الفلسطيني اليوم لا يحتاج إلى خطابات جديدة، بقدر ما يحتاج إلى قيادة تمتلك شجاعة الاعتراف بالأخطاء، وإرادة التغيير، والاستعداد لتحمل المسؤولية التاريخية. قيادة تعيد الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني، وتؤسس لنظام سياسي موحد، قادر على مواجهة أخطر مشروع استعماري واستيطاني يستهدف الأرض والهوية والحقوق الوطنية.
إن الوطن أكبر من الأشخاص، وأبقى من الفصائل، وأسمى من المصالح الآنية. ومن كان جزءاً من الأزمة، لا يصبح جزءاً من الحل بمجرد إطلاق الدعوات إلى الإصلاح، وإنما بامتلاك شجاعة المراجعة، والاعتراف بالمسؤولية، والإسهام الصادق في بناء عقد وطني جديد يعيد للقضية الفلسطينية وحدتها وقوتها ومكانتها.
د. عبد الرحيم جاموس
رئيس المجلس الإداري للاتحاد العام للحقوقيين الفلسطينيين
24/7/2026 م