يطرح إعلان جوائز الدولة لعام 2026 في مصر أمس الاثنين الأسئلة نفسها التي تصاحب هذه المناسبة سنوياً، لكن مع بعض الإشارات التي تستحق التوقف، سواء في طبيعة الأسماء الفائزة، أو في التوازنات التي تعكسها اختيارات المجلس الأعلى للثقافة؛ الجهة المنظّمة للجوائز، بين الأجيال والتخصصات، وحتى في ما غاب عن القائمة.
بين هذه الأسماء التي أعلن عنها لم يكن مفاجئاً فوز الفنان فاروق حسني بجائزة النيل في الفنون، وهي أرفع الجوائز المقدمة. فالرجل الذي شغل منصب وزير الثقافة لسنوات طويلة خلال حقبة الرئيس الأسبق حسني مبارك، لم يختف عن الأضواء مطلقاً، وظل محتفظاً بتأثيره داخل البنية الرسمية لمنظومة الثقافة المصرية. غير أن اختيار فاروق حسني هنا يبدو امتداداً لنهجٍ معتاد في منح الجائزة لشخصيات بارزة وتجارب آمنة، أكثر من كونه تكريماً لمسيرة زاخرة أو رهاناً على تجارب لا تزال في طور التشكل. الأمر نفسه يمكن ملاحظته في منح جائزة النيل للمبدعين العرب للشاعر العراقي علي جعفر العلاق، الذي يمثل بدوره صوتاً شعرياً بارزاً في القصيدة العربية الحديثة، واسم مستقر في الذائقة النقدية. كما أن تجربته تنتمي إلى التيار الحداثي الكلاسيكي، البعيد عن التجريب الحاد أو الصدامي، وهو ما يجعل اختياره أقرب إلى تكريم مضمون النتائج، لا يثير جدلاً.هذا الميل نحو الاختيارات الآمنة يتكرر أيضاً في جوائز الدولة التقديرية، حيث يظهر اسم الفنان محمد صبحي، بوصفه نموذجاً للفنان الذي يجمع بين الحضور الجماهيري والمشروع المسرحي الممتد، دون مواقف حادة أو صدامية. غير أن الاختيارات هنا تكشف عن مستوى مختلف من الدلالات؛ إذ يعكس فوز الناقدة شيرين أبو النجا استمرار تقدير الدور الأكاديمي في تشكيل الخطاب الثقافي، خاصة في مجالات النقد والدراسات النسوية.
في المقابل، يشير فوز الكاتب محمد عبد الحافظ ناصف إلى حضور جيلٍ وسيط يوازن بين العمل داخل المؤسسة والإنتاج الإبداعي، دون أن ينتمي بالكامل لأيٍ منهما. وفي السياق نفسه، يلفت حضور أسماء مثل أنور مغيث وليلى عبد المجيد ومحمد شومان في جوائز العلوم الاجتماعية، الانتباه إلى اتساع هذا الحقل داخل الجوائز، من حيث طبيعة التخصصات.
سجال حول جار النبي الحلو
جار النبي الحلو (1947) هو روائي مصري ينتمي إلى جيل السبعينيات، عُرف باشتغاله على العوالم المهمّشة بلغة تمزج بين الحس الشعبي والتجريب الفني. من أبرز أعماله الروائية "حجرة فوق سطح" و"قمر الشتاء" و"عطر قديم" و"العجوزان" وحصل سابقاً على جائزة الدولة للتفوق عام 2017. وقد أثار ورود اسمه ضمن القائمة القصيرة لجائزة الدولة التقديرية في الآداب هذا العام، قبل استبعاده في الإعلان النهائي، حالة من الجدل الواسع على منصات التواصل الاجتماعي. إذ اعتبر كثيرون ما جرى مؤشراً إشكالياً في آليات الاختيار أو في شفافية الإعلان. وتحول الأمر سريعاً إلى سجال حول قيمة الكاتب ومكانته، وما إذا كانت الجوائز الرسمية تعكس بالفعل خريطة الإبداع، أم أنها تخضع لاعتبارات أخرى غير معلنة.
وعبّر عدد من المثقفين عن تضامنهم مع الحلو، من بينهم رئيس التحرير السابق لمجلة الثقافة الجديدة الكاتب سمير درويش، الذي أعرب عن دهشته من استبعاده، موضحاً أن ما "يعيب الرجل أنه بلا جماعة ضغط، ولا يجيد التودد للآخرين". وكذلك الكاتب محمد بركة الذي أشار إلى "فساد داخل الحركة الثقافية المصرية"، و"هيمنة جماعة المصالح" كما يقول، وغلبة "التربيطات" والمجاملات والمصالح على كل قيمة ومعنى في جوائزها وتكريماتها. كما عّبر الكاتب إبراهيم عبد المجيد عن ألمه من هذا الاستبعاد، واصفاً تجربة جار النبي الحلو بأنها "رحلة رائعة تستحق كل احتفاء وتقدير".
ملاحظات على الجوائز التشجيعية
جوائز الدولة التشجيعية هي الفئة الأخيرة بين هذه الجوائز، وتمنح للمبدعين والباحثين الشباب دون سن الأربعين؛ تقديراً لأعمالهم المميزة في مجالات الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية، والعلوم الاقتصادية والقانونية. وتكشف آلية طرح فروع الجوائز التشجيعية كل عام عن إشكالية واضحة تتعلق بطبيعة هذه الفروع نفسها، إذ يعلن المجلس الأعلى للثقافة سنوياً عن مجالات وموضوعات جديدة للتقدم، لكن هذا التغيير المستمر لا يبدو انعكاساً لتطور حقيقي في الحقول الإبداعية، بقدر ما يطرح تساؤلات حول معايير اختيار هذه التخصصات من الأساس. فبعض المسميات تبدو شديدة التخصص إلى حد العزلة، أو محدودة التأثير خارج نطاق ضيق جداً من الممارسين، مثل جوائز في عزف آلة بعينها، أو في تقنيات فنية فرعية مثل جائزة "الإناء الخزفي بدون استخدام عجلة الخزاف (الدولاب)" في فرع الفنون، أو في موضوعات إبداعية مقيدة بإطار ضيق مفاهيمياً أو فنياً ومنها جائزة "النزعة الكاريكاتيرية في التصوير" في الفرع ذاته.
هذا النمط من التفريع قد يفتح المجال أمام عدد أكبر من الفائزين كما يقول بعضهم، لكنه في المقابل يثير سؤالاً حول جدوى الجائزة نفسها، وقدرتها على دعم اتجاهات فنية واسعة وقابلة للتراكم، وليست مجرد توزيع للاعتراف على أكبر عدد ممكن من المجالات. كما أن هذا التخصص المفرط قد يخلق حالة من الانفصال بين الجوائز والجمهور العام، الذي قد لا يجد صلة مباشرة بين هذه الفروع الدقيقة وبين المشهد الثقافي الأوسع. وفي هذا السياق، تبدو الحاجة قائمة لإعادة النظر في فلسفة تقسيم الجوائز، بحيث توازن بين التخصص المطلوب أكاديمياً، والتأثير الثقافي الحقيقي لهذه التخصصات.
وتبرز أيضاً إشكالية الشفافية باعتبارها واحدة من أبرز نقاط الضعف في الجوائز التشجيعية، إذ يتم الإعلان عن النتائج في صورة قوائم أسماء، دون إتاحة حيثيات واضحة تشرح أسباب اختيار الفائزين أو تميز أعمالهم، وهو أمر ينطبق كذلك على بقية الجوائز (جائزة الدولة التقديرية، جائزة الدولة للتفوق، وجائزة النيل)، وجميعها لا تصدر بياناً عن لجان التحكيم تفنّد فيه أسباب الفوز. الموقع الرسمي للمجلس الأعلى للثقافة يكتفي في الغالب بعرض أسماء الحاصلين على الجوائز وسيرهم الذاتية، وهي سير تميل إلى الطابع المهني العام أكثر من كونها تفسيراً نقدياً لمنجز محدد استحق الجائزة. بل إن بعض الأسماء لا تتوافر لها حتى هذه البيانات الأساسية، ما يترك فراغاً معلوماتياً يزيد من غموض عملية التقييم. ويزداد هذا التساؤل حدة عند ملاحظة أن قوائم الفائزين في بعض الأعوام تضمنت عدداً ملحوظاً من الأسماء التي لا تزال في مرحلة الدراسة الجامعية. في العام الماضي مثلاً تضمنت قائمة الفائزين سبعة أسماء لا يزال أصحابها في مرحلة الدراسة الجامعية، وكان لافتاً انتماؤهم جميعاً إلى إحدى المؤسسات التعليمية الخاصة، هي أكاديمية الشروق.
قد يبرر البعض ذلك بأنه قد يعكس نجاحاً تعليمياً أو بيئة داعمة للمواهب، لكن الأمر يفتح الباب أيضاً أمام تساؤلات مشروعة حول معايير الاختيار، ومدى تنوع قاعدة المتقدمين، وشفافية إجراءات التحكيم. في غياب تفسير واضح ومعلن، تظل هذه المؤشرات عرضة للتأويل، وهو ما قد يؤثر على مصداقية الجوائز، حتى في حال استحقاق الفائزين لها فعلياً. خاصة أن هناك أحاديث تتردد بقوة في أوساط لجان التحكيم عن استبدال مرشحين أو إضافة أسماء خارج توصياتهم التي قدموها للمنظمين.