18 صفر 1448

الموافق

الثلاثاء 04-08-2026

علم و خبر 26

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم 4 آب.. اليوم الذي أرجو لو يمحى من ذاكرة العمر
4 آب.. اليوم الذي أرجو لو يمحى من ذاكرة العمر
ختام كميل علي
2026-08-03
4 آب.. اليوم الذي أرجو لو يمحى من ذاكرة العمر

هناك تواريخ تعبرها وتمرّ، وتاريخٌ واحد يعبر في داخلك ليقيم أبد الدهر. 4 آب/أغسطس 2020 لم يكن مجرد يوم عابر في تقويم العاصمة بيروت، بل كان زلزالاً معنوياً وإنسانياً غيّر ملامح المدينة وجغرافية الأرواح فيها.
لو خُيِّرت بين محو ذكرى من عمري، لما اخترتُ سوى ساعات ذلك النهار الأسود الذي أتى على كل شيء، تاركاً غصةً لا تندمل في عُرى الذاكرة.
لم تكن هول الكارثة مقتصرة على ما نقلته الشاشات أو ما رصدته عدسات الكاميرات من دمار مهول وسحب الدخان العملاقة، فالمشهد الحقيقي كان ينتظرنا على أرض الواقع، حين ترجلنا لنكون جزءاً من فرق المساعدة الميدانية مع إحدى الجمعيات الأهلية. حينها فقط، سقطت المسافة بين الخبر والمأساة، واصطدمتُ بالوجع وجهاً لوجه.
تحت أشعة الشمس الحارقة وركام الأحياء المنكوبة، لم تكن المهمة الملقاة على عاتقنا مجرد رفع للأنقاض أو إزالة للزجاج المتناثر في كل زاوية، بل كانت محاولة بائسة لترميم ما أمكن من كرامة مدينةٍ نزفت على حين غرة. كانت كل شظية زجاج نرفعها من على الأرض تطعن الروح من جديد، فهي لم تكن حطاماً لزجاج نوافذ، بل كانت بقايا أحلامٍ، وتذكاراً لأرواح أُزهقت، وبيوتاً هُجّرت في ومضة عين. رائحة الغبار الممزوجة بالدم والتراب ظلت عالقة في الأنفاس، تذكّر بقسوة اللحظة وفداحة الخسارة.
الوقوف على أرض الواقع يمنح الألم بُعداً آخر، فالأرقام المجردة عن الضحايا والجرحى تحولت هناك إلى وجوه لأناس عُزّل، وإلى أطفال فقدوا طمأنينتهم، وعائلات تقف مذهولة أمام منازل تحولت إلى هياكل إسمنتية. وسط ذلك الركام الهائل، شعرتُ بصِغر حجم الكلمات أمام هول الفاجعة، وبأن لغة الكلام تقف عاجزة عن وصف ما تختلجه الصدور.
حتى اليوم، ومع مرور السنوات، تبقى ذكرى 4 آب/أغسطس جرحاً غائراً لا يندمل. إنه اليوم الوحيد الذي أتمنى حقاً لو يستطيع الزمن محوه من ذاكرتي وذاكرة بيروت، لنستعيد طمأنينةً سُلبَت منا عنوة.
ولكن، رغماً عن قسوة الوجع، تظل تلك الأيام شاهدةً على أن بيروت – برغم انكسارها – تنهض دائماً من بين ركامها، بفضل سواعد أبنائها الذين لم يتركوها وحيدة في عتمة الساعات.

جنوبيات
أخبار مماثلة