20 صفر 1448

الموافق

الأربعاء 05-08-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

مقالات مختارة مقالات مختارة قليلٌ من الواقعيَّة والقراءة التاريخيَّة
قليلٌ من الواقعيَّة والقراءة التاريخيَّة
رامي الريس
2026-08-05
قليلٌ من الواقعيَّة والقراءة التاريخيَّة

إذا كانت القراءات والتحليلات المتصلة باتفاق الإطار الذي تم التوصل إليه بين لبنان وإسرائيل في 26 يونيو (حزيران) 2026 متباينة حسب المواقع السياسيّة لهذا الطرف أو ذاك، والتي تعالج الموضوع انطلاقاً من رؤيتها للمصلحة الوطنيّة اللبنانيّة العليا، فإن ذلك لا يلغي أن ثمة نصاباً وطنياً آخذاً في التشكل -فوق الانقسامات والاصطفافات المتباينة- يؤيد حصر السلاح بيد الدولة، ويؤيد أيضاً أن تمتلك وحدها قرار الحرب والسلم.

ولا يُفترض أن يكون هذا المناخ العام مستغرَباً؛ ذلك أنه من وظائف أي دولة أن تحتكر السلاح، وأن تمارس دورها في الدفاع عن أراضيها. كما أنه -في الحالة اللبنانيّة تحديداً- هو تطبيق متأخر لما جاء في اتفاق الطائف، وقد سلَّمت الميليشيات اللبنانيّة جميعها سلاحها مطلع التسعينات، باستثناء «حزب الله» الذي كان من المفترض أن يسلِّمه بعد إنجاز تحرير الأرض من الاحتلال الإسرائيلي في عام 2000.

لقد سقطت المعادلة الثلاثية السابقة التي تم التغنّي والتمسك بها سنوات طويلة (أي معادلة: الجيش والشعب والمقاومة) بسقوط «توازن الردع» بدءاً من حرب عام 2024؛ حيث تغيّرت كل موازين القوى، وصار لزاماً على الدولة اللبنانيّة استبدال معادلة أخرى بها. وإذا كانت ثمة قناعة رسميّة لبنانيّة بأن المواجهة العسكريّة مع إسرائيل مستحيلة وغير متكافئة حقاً (وهي كذلك بحكم موازين القوى)، وأن التفاوض هو المسار الأمثل لإنهاء الوضع القائم وتثبيت الاستقرار، فإن ذلك لا يعفي الدولة من أن تستجمع كل قواها لصياغة استراتيجية أمن قومي تنبثق عنها استراتيجيّة دفاعيّة؛ خصوصاً أن أرض الجنوب عادت أجزاء منها لتصبح تحت الاحتلال.

لا مناص من التفكير في أن إعادة بناء الوحدة الداخليّة تقوّي موقف الدولة التفاوضي ولا تضعفها، وأن إطلاق حوار استيعابي لاجتياز المرحلة ليس على قاعدة «تبويس اللحى» ولا الاكتفاء بالتفاهمات اللفظيّة، إنما على قاعدة تمكين الدولة من القيام بدورها، هو ضرورة وطنيّة في هذه اللحظة الحساسة؛ خصوصاً مع تنامي التحديات والمصاعب بشكل غير مسبوق.

ويبدو أن ثمة حاجة ملحة تتصل بضبط إيقاع المواقف السياسية المتسرعة، ليس بمنع حرية التعبير طبعاً، ولكن بهدف مواءمة المناخ الوطني العام مع الأحداث والتطورات، من خلال عدم الهرولة نحو التطبيع؛ مرة تحت مسميات أو شعارات دينية (زيارات، حج... إلخ) لم يسبق أن استُحضرت طوال سبعين عاماً بعد النكبة، ومرة تحت شعارات أكثر تفاهة. كما أن المستعجلين للسلام يتناسون أن الاحتلال لم يقصّر في القصف والقتل والتدمير، وأنه بطبيعة الحال يستفيد من مناخات الانقسام الداخلي ويغذيها ويسعى إلى تعميقها، لذلك من باب أولى السعي الجدي إلى ترتيب البيت اللبناني قبل وقوع مزيد من الانشطار والتصدع فيه.

ولعل هناك من يتناسون أن المبادرة العربية للسلام التي أقرتها قمّة بيروت في عام 2002 لم تكترث لها إسرائيل منذ ذلك الوقت، ولم تعتبرها موجودة أصلاً، فهل يحتمل لبنان حقاً سلوك مسار السلام الانفرادي. فإذا كانت إسرائيل لم تُعِر اهتماماً إلى الموقف العربي الجماعي، فهل ستكترث حقاً للموقف اللبناني؟

إن التوصل إلى اتفاق لتحقيق الانسحاب الإسرائيلي ووقف الحرب شيء، والتوصل إلى اتفاق سلام والتطبيع شيء آخر.

وإذا كان مطلوباً عدم الانجراف في هذا المسار، فالمطلوب عدم الإصرار -في المقابل- على إلحاق لبنان في محور طهران الذي بنى شبكة من الحركات المسلحة العابرة للحدود التي تضعف الدول المركزية، وغذَّاها بآيديولوجية ليس من السهل تجاوز مضامينها.

وإذا كان الاحتلال الإسرائيلي ليس بحاجة لذريعة لتفريغ حقده التاريخي على لبنان، فإن الإصرار على إقحام لبنان في حروب لا طائل له فيها، وتفوق قدرته على الاحتمال، كان قراراً متهوراً ولا يخدم البتة المصلحة الوطنيّة اللبنانيّة.

ختاماً، لبنان بتركيبته التعددية لا يحتمل هذا ولا ذاك؛ بل يُفترض أن يسعى لإعادة بناء علاقاته العربية التي تبقى العمق الطبيعي له مهما تبدلت الأحوال، وألا يخرج عن الانتظام العربي العام، فلبنان ليس مصر بثقلها ووزنها، وليس الأردن بنظامه وتركيبته وموقعه. قليلٌ من الواقعية والقراءة التاريخيّة تفيد المرء بين حين وآخر!

الشرق الأوسط
أخبار مماثلة