18 صفر 1448

الموافق

الإثنين 03-08-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

مقالات مختارة مقالات مختارة بين فصل المسارين.. وترابط الجبهتين!
بين فصل المسارين.. وترابط الجبهتين!
صلاح سلام
2026-08-03
بين فصل المسارين.. وترابط الجبهتين!

عشية إنطلاق الجولة الجديدة في روما غداً، لم يعد من السهل النظر إلى المفاوضات الجارية بين لبنان وإسرائيل باعتبارها مساراً مستقلاً تحكمه الاعتبارات اللبنانية والإسرائيلية وحدها. فالتطورات الإقليمية المتسارعة، على إيقاع التوتر المستمر بين الولايات المتحدة وإيران، أوجدت واقعاً جديداً جعل الفصل العسكري بين الجبهة اللبنانية وتلك الإيرانية أكثر صعوبة من أي وقت مضى، نظراً لإلتزام حزب الله بمساندة طهران في حال دخلت الحرب إلى جانب الولايات المتحدة، وهو ما أعلنه نتنياهو مراراً في تصريحات علنية في أكثر من مناسبة.
العلاقة الأميركية - الإيرانية تمرُّ منذ أشهر بحالة من التذبذب بين التصعيد والتهدئة. ففي يوم ترتفع لغة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالتهديد والوعيد، وتتزايد المؤشرات إلى احتمال المواجهة، وفي اليوم التالي تعود قنوات الاتصال غير المباشر عبر الوسطاء، لتفتح الباب أمام مشاريع تسويات مؤقتة أو تفاهمات محدودة، كما حصل في اليومين الماضيين، فيما «الجناح العسكري» في طهران على تمسكه برفض التفاوض، هذا الإيقاع المتقلِّب ينعكس بصورة مباشرة على معظم ملفات المنطقة، وفي مقدمتها الوضع اللبناني.

ورغم أن واشنطن تؤكد باستمرار أن المفاوضات المتعلقة بلبنان تستهدف تثبيت اتفاق وقف العمليات العسكرية، واستكمال الانسحاب الإسرائيلي، وترسيم الترتيبات الأمنية بما يضمن سيادة الدولة اللبنانية، إلا أن الواقع السياسي يشير إلى أن هامش الحركة يبقى محدوداً طالما بقيت العلاقة الأميركية - الإيرانية أسيرة الشدّ والجذب، والإحتلال يماطل ويتنصل من إلتزاماته في إتفاق الإطار
ولا شك أن إحراج الوفد اللبناني سيكون مضاعفاً، لو شنَّ ترامب، في نهاية الأسبوع الماضي، الضربات التي توعد بها، وإشتعلت الحرب في إيران مجدداً، بمشاركة إسرائيلية، كما أعلن نتنياهو مؤخراً، لأن ذلك كان سيؤدي إلى إقدام حزب الله على فتح جبهة الجنوب، وتداعيات هذا السيناريو القاتل ستكون مدمِّرة على مسار المفاوضات، التي تفقد الكثير من فعاليتها عندما تشتعل الجبهات، وتدوي أصوات الصواريخ والطائرات. ومن هنا، فإن ربط الجبهتين يُلقي بظلاله الثقيلة على إمكان الفصل بين المسارين الدبلوماسيَّين: المفاوضات الجارية بين لبنان وإسرائيل من جهة، والمفاوضات المتعثرة بين واشنطن وطهران من جهة أخرى. فكلما تعثرت الاتصالات الأميركية - الإيرانية، ارتفعت احتمالات تجميد أي تقدُّم على الساحة اللبنانية، لأن العديد من القوى المؤثرة، وخاصة طهران وتل أبيب، تنظر إلى لبنان باعتباره إحدى ساحات المواجهة الإقليمية المحتدمة.

هذا الواقع يضع الدولة اللبنانية أمام تحدٍّ بالغ الدقة. فالمصلحة الوطنية تقتضي عدم انتظار نتائج التفاهمات الإقليمية، بل مواصلة العمل لتثبيت مرجعية الدولة في إدارة المفاوضات، وتعزيز دور الجيش اللبناني في بسط سلطته على كامل الأراضي اللبنانية، وتنفيذ الالتزامات المنصوص عليها في اتفاق وقف العمليات العسكرية والقرارات الدولية ذات الصلة، خاصة لجهة معالجة ملف سلاح حزب الله. فكلما ازدادت قدرة الدولة على الإمساك بقرارها السيادي، تقلصت فرص استخدام لبنان ورقة تفاوض في الصراع المشتعل في المنطقة.

كما أن دول الخليج تجد نفسها معنية بصورة مباشرة بأي تصعيد بين واشنطن وطهران، لما لذلك من انعكاسات على أمنها وإستقرارها، خاصة بعد التعمُّد الإيراني بقصف أهداف حيوية في بعض العواصم والمدن الخليجية، فضلاً عمَّا تشكله أي مواجهة جديدة، أو حتى إستمرار تعثر المفاوضات، من مخاطر على سلامة حركة الطاقة، وحرية الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر، واستقرار الأسواق العالمية. في حين إن نجاح أي مسار تفاوضي يخفف حدة التوتر الإقليمي، سيعود بالفائدة ليس فقط على لبنان، بل على مجمل الدول العربية.
لذلك، تبدو الحاجة ملحَّة إلى تحييد المسار اللبناني قدر الإمكان عن التجاذبات الإقليمية، وعدم رهن مستقبل اللبنانيين بنتائج مفاوضات لا يملكون قرارها. فاستقرار لبنان يجب أن يبقى هدفاً قائماً بذاته، لا مجرد بند على جدول المساومات بين القوى الكبرى.

وإذا كان الفصل الكامل بين المسارين اللبناني والإيراني قد لا يكون متاحاً في الظروف الراهنة، لكن الحد من تأثير هذا الترابط يبقى ممكناً، إذا توافرت إرادة لبنانية موحَّدة، مدعومة بمساندة عربية ودولية، تضع المصلحة الوطنية فوق حسابات المحاور. فكلما نجح لبنان في ترسيخ سيادة دولته واستقلالية قراره، تراجعت قدرة الآخرين على استخدامه ساحة لتصفية الحسابات، واقترب أكثر من استعادة دوره الطبيعي جسراً للتواصل والاستقرار، لا أرضاً مستباحة لصراعات الآخرين.

جريدة اللواء
أخبار مماثلة