لم يعد البحث في مستقبل وسط بيروت ومسألة تمديد عمل الشركة اللبنانية لتطوير وإعادة إعمار الوسط التجاري، مجرد نقاش حول شركة أو مشروع عقاري، بل أصبح قضية إنمائية وحضارية ووطنية تتصل بمستقبل العاصمة ودورها في الحياة اللبنانية. فبيروت ليست مجرد مدينة، والوسط ليس مجرد مجموعة أبنية وشوارع ومحال تجارية، وإنما هو القلب الحيوي الذي تتلاقى فيه مختلف الشرائح الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والفنية للبنان.صحف لبنان
من هنا تكتسب البنود المطروحة في إطار «خريطة العمل» الحكومية أهميتها الاستثنائية، لأنها تفتح الباب أمام الانتقال من مقاربة تركز، إلى جانب العقار والاستثمار، على رؤية أشمل، تجعل من وسط بيروت مساحة للحياة والعمل والإنتاج، والتفاعل الاجتماعي والثقافي.
والأهمية الحقيقية لأي خطة جديدة لا تكمن فقط في إعادة إعمار الأبنية، أو استكمال المشاريع العمرانية، بل في إعادة الإنسان إلى قلب العاصمة. فوسط بيروت الذي عرف، قبل الحرب وما بعدها، حركة يومية كثيفة، ومزيجاً فريداً من النشاط التجاري والثقافي والمصرفي والسياحي، فَقَدَ جانباً كبيراً من هذا الدور خلال العقدين الماضيين، بسبب التوترات السياسية، وإحتلال ساحات المنطقة من قبل حزب والأحزاب الحليفة له، والمطلوب اليوم ليس إعادة بناء الحجر فحسب، بل إعادة بناء دورة الحياة التي كانت تجعل من الوسط نقطة التقاء اللبنانيين.
وتبرز أهمية البُعد الحضاري والثقافي في أي رؤية مستقبلية. فبيروت تمتلك رصيداً تاريخياً وتراثياً لا يجوز التعامل معه باعتباره عائقاً أمام التطوير، بل باعتباره قيمة مضافة يمكن أن تجمع بين التراث والحداثة. وهذا تحديداً ما جعل تجربة سوليدير في انطلاقتها، اواسط التسعينات من القرن الماضي، نموذجاً عمرانياً لافتاً، استفادت منه لاحقاً عواصم ومدن عربية في محاولاتها لإعادة تأهيل مراكزها التاريخية.
لكن نجاح المرحلة المقبلة يتطلب أيضاً إعطاء البُعد الاجتماعي و الاقتصادي موقعه الطبيعي. فالوسط التجاري يجب ألا يكون فضاءً مخصصاً للمؤسسات الكبرى والمشاريع ذات الرساميل الضخمة فقط، بل مساحة مفتوحة أمام الشباب اللبناني، وأمام أصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة، والمبادرات الثقافية والفنية والإبداعية، والمطاعم والمقاهي والمتاجر والمؤسسات الناشئة. فهذه القطاعات هي التي تستطيع أن تصنع حركة يومية حقيقية، وأن تحوّل الوسط من منطقة عمرانية إلى مجتمع حي نابض بالحياة.
والأهم أن إعادة تنشيط الوسط ستنعكس على بيروت كلها، وعلى الاقتصاد اللبناني بصورة عامة. فكل مشروع جديد، وكل مؤسسة تفتح أبوابها، وكل زائر يعود إلى الوسط، يعني حركة اقتصادية وفرص عمل وإيرادات إضافية، فضلاً عن تنشيط قطاعات السياحة والخدمات والتجارة والثقافة والفنون.
ولا ينبغي إغفال الجانب المالي من هذه المعادلة. فإذا نجحت الحكومة في وضع خطوات متوازنة وقابلة للتنفيذ، فإن إعادة إطلاق الدورة الاستثمارية في وسط بيروت يمكن أن تحقق عائدات مهمة للخزينة العامة، وفي الوقت نفسه تعزز القيمة الاقتصادية لشركة سوليدير، بما ينعكس على أرباحها وقيمة أسهمها ومكانتها الاستثمارية.
إن الرهان الحقيقي، إذاً، ليس على تمديد عمر شركة فحسب، بل على تمديد الحياة في قلب بيروت. وإذا أحسنت الدولة صياغة خطتها ومراقبة تنفيذها، وأقبلت سوليدير على توظيف إمكاناتها وخبرتها، فقد تكون أمام فرصة تاريخية لإعادة الوسط إلى دوره الطبيعي: مكاناً يلتقي فيه اللبنانيون، ويتجاور فيه الاقتصاد والثقافة والتراث والحداثة، وتعود إليه الحركة التي افتقدتها العاصمة طويلاً.
قد يرى البعض أن المشروع الحكومي يحتاج إلى نقاش مُعمَّق من الجانبين المعنيَّين، الحكومة وسوليدير، للبحث في توزيع المسؤوليات، وتحديد برنامج الأولويات، ولكن ذلك لا يقلل من أهمية العمل المشترك للمضي قدماً في إستكمال إعمار العاصمة وواجهتها البحرية، وتأمين الإمكانيات اللازمة لإعادة المكانة الحضارية والثقافية لبيروت، بالتوازي مع تخطيط جديد لبعض شوارع الوسط، مثل شارع المعرض وساحة النجمة ومتفرعاتها، بين منطقتي تياترو الكبير ومبنى بلدية بيروت، وفتحها أمام المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتسهيل توفير فرص العمل للشباب، وجعلها ساحة إلتقاء بين الأجيال، كما كانت قبل الإنتكاسة المؤلمة التي أعقبت إغتيال الرئيس رفيق الحريري.
إن إحياء مشاريع وسط العاصمة، يعني عودة الحياة إلى الحركة السياحية في البلد، التي طالما كانت بيروت القاطرة الرئيسية لها، ولكل الإقتصاد الوطني.