لطالما كان استعادة الدولة لقرارها السياسي والأمني أحد أكثر العناوين حضوراً في النقاش اللبناني. لكن لبنان، بعد سنوات طويلة من الأزمات والحروب والتدخلات الإقليمية، قد يكون أمام مرحلة مختلفة: مرحلة لا يعود فيها السؤال الأساسي ما إذا كانت الدولة ستستعيد قرارها، بل ماذا ستفعل بهذا القرار عندما يصبح لها؟
فالقرار ليس هدفاً بحد ذاته، والسيادة ليست مجرد إعلان سياسي. حصرية السلاح واستعادة القرار يجب أن تكونا مقدمة لمرحلة جديدة تستطيع فيها الدولة إعادة بناء البلد، واستعادة ثقة المواطن، وفتح الباب أمام علاقاته العربية والدولية، وتحويل الاستقرار من شعار سياسي إلى فرصة اقتصادية.
وهنا يكمن الاختبار الحقيقي.
لبنان اعتاد طويلاً على دولة تصدر المواقف، لكن قدرتها على تنفيذها كانت محدودة. بيانات وقرارات وخطط إصلاحية كثيرة بقيت أسيرة التسويات السياسية وموازين القوى. لذلك فإن استعادة القرار يجب ألا تعني الانتقال من مرحلة البيانات إلى بيانات أكثر حزماً، بل من منطق الموقف إلى منطق الفعل.
من الطبيعي أن يكون تثبيت سلطة الدولة وقرارها السيادي أولوية. فلا يمكن بناء دولة مستقرة في ظل تعدد مراكز القرار، ولا يمكن لأي اقتصاد أن ينهض إذا بقي احتمال الحرب أو الانهيار الأمني حاضراً.
لكن الخطأ هو اعتبار استعادة السيادة نهاية المشروع.
السيادة هي نقطة البداية
فالدولة التي تستعيد قرارها ثم تعجز عن إصلاح اقتصادها، أو تقوية القضاء، أو تطوير مؤسساتها، أو وقف هجرة شبابها، لن تكون قد حققت سوى جزء من المهمة.
المواطن لا يريد دولة أقوى في بياناتها فقط، بل دولة أقوى في حياته اليومية؛ دولة يحميه فيها القانون، وتعمل مؤسساتها، ويستطيع أن يبني مستقبله فيها.
ماذا ستفعل الدولة بالقرار؟
إذا أصبحت الدولة المرجعية النهائية في الأمن و السياسة الخارجية، فعليها أن تثبت أن هذه المرجعية قادرة على إنتاج دولة أفضل.
وهذا يعني الانتقال إلى الملفات التي طال انتظارها: إصلاح الإدارة، معالجة الأزمة المصرفية، تطوير البنية التحتية، تحسين بيئة الأعمال، واستعادة الثقة بالمؤسسات.
فالقرار السياسي لا قيمة له إذا لم ينتج قدرة على الحكم، والسيادة لا تتحول إلى إنجاز حقيقي إذا لم يشعر المواطن بنتائجها في الاقتصاد والخدمات وفرص العمل.
ومن هنا يصبح السؤال الأساسي: هل لدى لبنان خطة لاستخدام القرار الذي يستعيده؟ أخبار الشرق
الاقتصاد هو الاختبار الحقيقي
قد تكون السياسة قادرة على إعلان استعادة السيادة، لكن المستثمر ينظر إلى أسئلة أخرى: هل البلد مستقر؟ هل القوانين واضحة؟ هل القضاء موثوق؟ هل يمكن حماية الاستثمار؟ وهل هناك احتمال لعودة الحرب أو الفوضى؟
إذا كانت الإجابة مطمئنة، يمكن أن تعود الاستثمارات والسياحة، وأن تتحول إعادة الإعمار إلى فرصة للنمو.
لذلك فإن السيادة والاقتصاد وجهان للمسألة نفسها. الدولة التي تملك قرارها تستطيع أن تبني بيئة مستقرة، والبيئة المستقرة تستطيع أن تجذب الاستثمار.
فرصة عربية لا يجب إضاعتها
لبنان أمام فرصة لإعادة بناء علاقته مع محيطه العربي على أساس مختلف. لكن هذه العلاقة لا ينبغي أن تقوم فقط على طلب المساعدات، بل على بناء شراكة حقيقية.
الدول العربية لا تحتاج إلى لبنان ضعيف يطلب الإنقاذ في كل أزمة، بل إلى لبنان مستقر يمكن الاستثمار فيه وبناء علاقات اقتصادية وسياسية طويلة الأمد معه.
وهنا يستطيع لبنان أن يقدم ما يملكه فعلاً: موقعه، طاقاته البشرية، اقتصاده المنفتح، ودولته إذا نجح في استعادة قرارها.
لكن الفرص السياسية والاقتصادية لا تبقى مفتوحة إلى الأبد. فالمنطقة تتغير بسرعة، والاستثمارات تبحث عن الاستقرار، والدول تعيد ترتيب أولوياتها.
الاختبار يبدأ بعد القرار
ربما أمضى لبنان سنوات وهو يسأل: كيف نستعيد الدولة؟أخبار الشرق
أما السؤال الذي يجب أن يبدأ طرحه الآن فهو: ماذا نريد من الدولة بعد استعادتها؟
هل نريد دولة تملك قرار الحرب والسلم فقط، أم دولة تملك أيضاً قرار الإصلاح والاقتصاد والتنمية؟
هل نريد علاقات عربية أفضل من أجل البيانات، أم من أجل شراكات واستثمارات حقيقية؟
وهل نريد دولة قوية في مواجهة الأزمات فقط، أم دولة قادرة على منع الأزمات قبل وقوعها؟
استعادة القرار ستكون خطوة تاريخية إذا تحولت من شعار إلى ممارسة، لكنها لن تكون كافية وحدها. فالاختبار الأصعب يبدأ في اليوم التالي: يوم يصبح على الدولة أن تستخدم قرارها لإعادة بناء الاقتصاد، وإصلاح المؤسسات، وتقوية القضاء، واستعادة ثقة المواطن.
فالدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على امتلاك القرار، بل بقدرتها على تحويل القرار إلى مشروع، والمشروع إلى نتائج، والنتائج إلى مستقبل.
ولهذا، فإن السؤال اللبناني الحقيقي لم يعد فقط: هل تستطيع الدولة استعادة قرارها؟ بل: بعد أن تستعيد القرار... ماذا ستفعل به؟
فربما تكون هذه هي اللحظة التي لا يستعيد فيها لبنان دولته فقط، بل يستعيد مستقبله أيضاً.