وضع مجلس الوزراء في جلسته الأخيرة «خريطة طريق» للتمديد خمسة وعشرين سنة جديدة لشركة «سوليدير» تتضمن بنوداً قانونية ومالية وإدارية وعقاريةوإعمارية، من شأن تنفيذها أن يعود بفوائد مهمة ليس لبيوت وحسب، بل على المستوى الوطني، فضلاً عن رعادة إحياء وسط العاصمة وفتح المجالات أمام الطبقة الوسطى ومشاريع الشباب الصغيرة المتوسطة للمساهمة في تنشيط الحركة اليومية في قلب بيروت، الذي كان ومازال يعتبر ساحة لقاء وطنية بين اللبنانيي، على تنوع طوائفهم وإختلاف مناطقهم.
وجاء في مشروع الحكومة للتمديد حتى عام ٢٠٥١ خطوات تنفيذية من شأنها أن تضاعف عائدات الخزينة العامة، وتزيد أرباح «سوليدير»، وحملة الأسهم، والكثير منهم من أصحاب الأملاك السابقين لعقارات في وسط بيروت.
ونص القرار الحكومي رقم ١١ على أن الحكومة تتعامل مع طلب التمديد للشركة كفرصة لإعادة تنظيم العلاقة مع سوليدير وليس كتمديد تلقائي.
أولى الرسائل الواضحة في قرار الحكومة أن أي بحث جدي في تمديد مدة الشركة يجب أن يسبقه استيفاء كامل للمتطلبات القانونية والإجرائية.
وتطلب الحكومة من «سوليدير» تقديم جميع المستندات التي يفرضها القانون أو تطلبها الدولة، وفي مقدمتها إفادة براءة ذمة ضريبية حديثة تؤكد تسوية الالتزامات المستحقة للخزينة، عند وجودها.
لكن التدقيق لا يتوقف عن الضرائب. فالقرار يطلب أيضاً إخضاع حسابات الشركة وأصولها ورصيدها العقاري إلى تدقيق مستقل، بما يسمح بتكوين صورة واضحة ومرجعية عن الوضع المالي والعقاري للشركة قبل الدخول في مفاوضات التمديد.
كما تشترط الحكومة صدور قرار عن الجمعية العمومية لشركة «سوليدير» يطلب تمديد مدة الشركة، وفقاً لنظامها الأساسي والأحكام القانونية المرعية. وبذلك، تريد الدولة تثبيت قاعدة أساسية: لا يمكن أن يبدأ المسار من قرار حكومي منفرد، بل من طلب قانوني صادر عن الجهة المخولة داخل الشركة.
وهذا البند يحمل أهمية خاصة، لأنه يحوّل مسألة التمديد من رغبة تجارية إلى مسار قانوني وإجرائي متكامل يتطلب مستندات وتدقيقاً وموافقة أصولية.
الحكومة ترفض «الشيك على بياض»
المفارقة الأساسية التي تكشفها الوثائق أن الحكومة لا تبدو مستعدة لمنح «سوليدير» تمديداً طويلاً وغير مشروط.
فبدلاً من تمديد مفتوح أو طويل الأمد، يطرح كتاب الرد تصوراً يقوم على التمديد المرحلي المرتبط بمؤشرات أداء.
ومن الأفكار الواردة في الكتاب منح تمديد أولي لمدة ثماني سنوات، على أن يخضع تجديده لست سنوات إضافية لقرار من مجلس الوزراء، بعد التحقق من التزام الشركة بمؤشرات الأداء المتفق عليها.
وبذلك، يصبح الزمن نفسه أداة رقابة: الشركة تحصل على فترة إضافية، لكن استمرارها لا يكون منفصلاً عن مستوى تنفيذ المشاريع والتعهدات.
والأهم أن الحكومة تريد إدخال غرامات مالية على التأخير أو الإخلال الجوهري بالالتزامات، بحيث تصبح الجداول الزمنية جزءاً من العقد وليس مجرد وعود قابلة للتأجيل.
وتكشف هذه المقاربة عن محاولة لإعادة صياغة العلاقة على أساس مختلف: كل تمديد يجب أن يقابله إنجاز، وكل تأخير يجب أن تكون له كلفة.
ماذا بقي من الالتزامات؟
في خلفية موقف الحكومة سؤال جوهري ماذا تحقق من الالتزامات والمشاريع التي ارتبطت بإعادة إعمار وسط بيروت منذ تأسيس «سوليدير»؟
فالكتاب يلفت إلى أن الدولة قدمت منذ عام 1994 مجموعة واسعة من الحقوق والتسهيلات والمنافع للشركة، بينها حقوق الردم في الواجهة البحرية، ونقل ملكية أراضٍ، إضافة إلى إعفاءات وتسهيلات ضريبية ومالية.
ومن النقاط اللافتة في كتاب الحكومة البحث في آلية تحدّ من احتفاظ الشركة بالعقارات الشاغرة، سواء الأراضي التي لم يتم تطويرها بعد أو العقارات المطورة وغير المستغلة.
وتريد الحكومة أن يؤدي أي تمديد إلى تفعيل هذه الأصول وتسريع إعادة إحياء وسط بيروت، بدلاً من بقاء مساحات عقارية خارج الدورة الاقتصادية والحضرية.
كما ترى أن أي مشروع مستقبلي مدر للدخل تنفذه الشركة، سواء عبر بيع الأراضي أو تأجيرها أو إقامة مشاريع إنشائية جديدة، يجب أن يخضع لإطار مالي وضريبي محدث، بما يشمل ضريبة الدخل على الشركات ورسوم التسجيل العقاري، وبما ينسجم مع المعايير المطبقة في مختلف المناطق اللبنانية.
المشاريع التي تريد الحكومة إنجازها
لا يكتفي الكتاب بتحديد الشروط القانونية والمالية، بل تسمي مجموعة من المشاريع التي تريد الدولة وضعها على جدول التنفيذ، وتربط بينها وبين أي تمديد مستقبلي.
في مقدمة الأولويات استكمال الحديقة العامة البحرية «حديقة رفيق الحريري» والكورنيش على الأراضي المستصلحة، مع إعداد تصميم متكامل للمناظر الطبيعية يأخذ في الاعتبار التغير المناخي.
كما تطالب الحكومة بوضع وتنفيذ خطة لمواقف السيارات المحاذية للحديقة التي تبلغ مساحتها نحو 60 ألف متر مربع.
ولا تتوقف الخطة عند الحديقة، بل تتطلع إلى تأمين ترابط الكورنيش البحري من الرملة البيضاء وصولاً إلى مرفأ بيروت، مروراً بالروشة والحمام العسكري وكورنيش المنارة وعين المريسة وخليج الزيتونة.
ساحة الشهداء... المشروع المؤجل
تحتل ساحة الشهداء موقعاً مركزياً في لائحة المشاريع الحكومية.
فالكتاب يطلب استكمال تطويرها كفضاء مدني عام متكامل، وفق المخطط العمراني المعتمد والمشروع الذي وضعه المعماري رينزو بيانو.
كما يطالب بإنجاز موقف السيارات العام تحت الساحة. وفي حال تعذر ذلك لأسباب أثرية، يتعين على «سوليدير» اقتراح حل بديل وتمويله بعد الاتفاق عليه.
ولا تنحصر المطالب بالموقف، إذ تشدد الحكومة على إعداد وتنفيذ خطة للنقل ومسارات المشاة تربط الساحة بالأحياء والمناطق المحيطة.
وهذا يعني أن ساحة الشهداء لا تُعامل كمشروع عقاري منفصل، بل باعتبارها مفصلاً لإعادة وصل وسط بيروت بباقي المدينة.
التراث والثقافة
يضع الكتاب مجموعة من المشاريع الثقافية والتراثية ضمن الالتزامات التي ينبغي البحث في تنفيذها.
ومن بينها متحف تاريخ مدينة بيروت وحديقة التل الأثري، في المنطقة الممتدة من شمال ساحة الشهداء وصولاً إلى البحر والسور الفينيقي.
كما يطرح ترميم المسرح الكبير الذي شُيّد عام 1929، والذي يُعد من أبرز المعالم الثقافية في بيروت، فضلاً عن تطوير «حديقة الغفران» الواقعة بين ساحة الشهداء وساحة النجمة، ووضع آلية مستدامة وفعالة من حيث الكلفة لصيانتها.
وهنا يظهر أحد أهم التحولات في مقاربة الملف فالمشاريع ذات الطابع الثقافي والتراثي لا تُطرح كملحق تجميلي لإعادة الإعمار، بل كجزء أساسي من القيمة العامة التي يفترض أن تنتج عن أي تمديد.
وتشمل المطالب أيضاً استكمال تطوير الحوض الشرقي للمرفأ السياحي.
كما يطلب الكتاب نقل ملكية موقف السيارات العام المجاور للحوض الغربي إلى بلدية بيروت عند انتهاء مدة الشركة.
ويؤشر ذلك إلى أن الحكومة تريد، منذ الآن، تحديد مصير عدد من الأصول العامة وآليات انتقال ملكيتها، وعدم ترك هذه الملفات معلقة حتى نهاية مدة الشركة.
وسط بيروت للطبقة الوسطى... لا للأثرياء فقط
ربما تكون النقطة الأكثر دلالة سياسياً واجتماعياً في المقاربة الحكومية هي الدعوة إلى إعادة النظر في هوية وسط بيروت نفسه.
فالكتاب يقترح بحث خطة شاملة لإعادة إحياء وسط العاصمة بوصفه فضاءً عاماً نابضاً بالحياة ومترابطاً مع بقية المدينة.
وتتضمن الخطة تخصيص منطقة للفنون والحرف والتصميم والأزياء، وإنشاء حي يضم محترفات واستوديوهات بأسعار ميسّرة للفنانين والمصممين الناشئين.
كما تدعو الحكومة إلى تخصيص مناطق أو تقديم حوافز تشجع أبناء الطبقة الوسطى والمؤسسات والشركات الصغيرة والمتوسطة على الحضور والاستثمار ضمن نطاق «سوليدير».
وبالتالي، فإن الحكومة تريد أن يكون التمديد، في حال حصوله، جزءاً من عملية إعادة تعريف للوسط من مساحة يغلب عليها النشاط العقاري والتجاري المرتفع الكلفة إلى حي مديني متعدد الاستخدامات والشرائح الاجتماعية.