ليس من عادة إسرائيل أن تلتزم باتفاق أو تفي بوعد. هذه مسألة يمكن اعتبارها عقيدة وليست وسيلة تفاوض أو طريقة تعاط مع دولة أو طرف لتحقيق مصالح محددة. أياً يكن المسؤول الإسرائيلي فهو يعتبر أنه مكلف بمهمة "إلهية" "دينية" ويحق له أن يفعل ما يشاء لتحقيق مشروع إسرائيل الاستراتيجي. عصاباتها اعتدت على البريطانيين ومصالحهم في أرض فلسطين، وهم أصحاب وعد بلفور الذي أسس قيام "دولة اليهود". أغرقوا السفينة الأميركية "ليبرتي" ولا يزال الحدث يذكر في أكثر من مكان وزمان. تجسّسوا على أميركا التي اعتقلت جوناثان بولارد لثلاثة عقود. وهو الآن يخوض حملات سياسية وإعلامية محرضاً ضد مصر والأردن وتركيا والفلسطينيين ويدعو إلى الحرب المفتوحة. في سياق موجة التهديد والاستهداف الرسميين الاسرائيليين ضد الأردن ومصر، وهما أول دولتين وقعت إسرائيل اتفاقات "سلام" معهما. أسقطوا اتفاق أوسلو بعد قتل رئيس حكومتهم اسحاق رابين ثم قتلوا ياسر عرفات. عقدوا اتفاقات مع دول عربية أخرى. كشفوا أسرار مسؤوليها ولقاءاتهم وشراكاتهم واتفاقاتهم معهم وتجسسوا عليهم واستهدفوا مؤسسات عندهم ونفذوا عمليات على أراضيهم واتهموا آخرين بها لتوريط الجميع في حروب مفتوحة وتخريب كل شيئ في المنطقة وتقديم أنفسهم الجهة الحامية الضامنة المخلّصة من "الخطر العراقي" واسلحة الدمار الشامل العراقية و"النووي العراقي" "والنووي السوري" "والنووي الإيراني" والآن يشنون حملة على قطر والمفكر الفلسطيني العربي عزمي بشارة لأنه استخدم أسلوبهم وذهب إلى مقارعتهم بالعلم والفكر والثقافة والدراسات والأبحاث العلمية الموضوعية، واستقطب في المؤسسات التي أنشأها بدعم قطري طاقات وإمكانات من مختلف الدول العربية والإسلامية والغربية ودخل إلى مراكز الدراسات في الغرب محاوراً مناقشاً من خلالهم مقدماً أفكاراً ومعلومات ومشاريع أكاديمية وبحثية تركت أثراً كبيراً مستفيداً من مرحلة يعيشها العالم كله، تتحول فيها إسرائيل إلى "دولة منبوذة" واعتراف نتانياهو نفسه أن دولته خسرت "معركة الوعي" ومن كلام رئيس المؤتمر اليهودي العالمي لاودر: "لقد أنفقنا 600 مليون دولار أميركي ولم نتمكن من تصحيح صورة إسرائيل"!
أسوق هذا الكلام الذي يختصر عناوين كتب ودراسات وأبحاث ومواقف سياسية وذاكرة فيها كل الوقائع والمعلومات الموثقة عن تاريخ دولة "الاغتصاب والارهاب" وحروبها ومجازرها وصولاً إلى "الإبادة الجماعية" للشعب الفلسطيني وما يجري في لبنان والمنطقة.
لبنان وقّع اتفاقاً مع هذه الدولة عام 2024. لم تلتزم بكلمة منه. وسّعت احتلالها. دمّرت قرىً بالكامل. مسحتها. جرفتها. لم تبق فيها أثراً لحياة، وسرق جيشها جنى عمر أبنائها. وقتلت المئات من المدنيين والصحافيين والاعلاميين ولم يحاسبها أحد. ثم وقّع "اتفاق الإطار" مؤخراً واعتبر قادة هذه الدولة أنهم أخذوا بموجبه ما لم يكونوا يتوقعونه. "ضبوا" الذي أخذوه وذهبوا إلى تدمير القليل القليل الباقي من التزامات لأنهم لا يريدون أي اتفاق. يريدون فرض شروطهم ولهذا السبب عرقلوا دخول الجيش إلى ما سمي "المناطق التجريبية" وعندما دخل اعتدوا عليه لأن الخطة التخريبية في هذه المناطق وغيرها تستوجب ذلك. وجال رئيس الأركان يائير زامير في المناطق المحتلة وأعلن: "لن ننسحب من المناطق التي احتللناها إلى أن يضمن أمن طويل الأمد. وإذا لزم الأمر سنعمق عملياتنا ونصل إلى مناطق إضافية". تفجيرات البيوت والمدارس والمستشفيات والبنى التحتية العامة إضافة إلى مواقع حزب الله تشابه الهزات الأرضية الفعلية وتسمع ارتداداتها في مناطق لبنانية مختلفة في لبنان، والعمل مستمر ولن يتوقف. وفي المفاوضات على طاولة روما يفتعلون المشاكل ويهددون بالانسحاب. لا يريدون سماع كلمة انسحاب من الأراضي اللبنانية. يستخدمون كل المناورات والوسائل التخريبية لتعطيل تنفيذ مشروع المناطق التجريبية التي هي في الأساس خطة غير قابلة للتنفيذ ومع ذلك ذهبت الدولة اليها ويقوم الجيش بعمل كبير ويتأكد للجميع خبث السياسية الإسرائيلية والإصرار على عدم الالتزام بالاتفاق. المشروع الأساس تكريس الاحتلال. ولذلك يتم بناء القواعد والمنشآت الثابتة. منع عودة الأهالي. استمرار استهدافهم. منع عودة الدولة إلى هذه المناطق. شنّ حملات أمنية وسياسية وإعلامية ضد الجيش. حجب المساعدات عنه لعدم تمكينه من القيام بمهامه. حتى المساعدة الأميركية التي بدأ العمل عليها بعد زيارة رئيس الجمهورية العماد جوزف عون إلى واشنطن ولقائه ترامب بدأ التشويش عليها من خلال تقييدها بشروط قد تؤخر الالتزام بها حتى لو أقرّت في المؤسسات الدستورية.
والمشكلة الأخطر أمام هذه الوقائع أن ثمة في عقول لبنانيين في مواقع القرار وخارجها بالمعنى الرسمي للكلمة، مساحة واسعة للغرائز والأحقاد والكراهية والتوتر والغضب والانفعال وسوء التقدير والتدبير وردّات الفعل غير المحسوبة والمتسرّعة التي لا تمت إلى حس وأمانة المسؤولية بصلة، والتذاكي والتشاطر ومحاولات إيهام اللبنانيين بأنهم أذكياء وخبراء وأصحاب خبرة وحرفة في كواليس السياسة ودهاليزها، وكل هؤلاء يؤكدون ضرورة فصل لبنان عن كل الحسابات الخارجية باسم السيادة، ودولة القانون والمؤسسات و "الكتاب"- أي الطائف - وهي وحدها التي تقرّر على أرضها وفي الوقت نفسه عندما تسأل عن أمور أساسية حساسة يقولون لك: "ماذا نفعل ونحن نتلقى الاتصالات اليومية الضاغطة من هذا وذاك من الفاعلين في الخارج" "ويجب أن ننتظر نتائج الانتخابات الأميركية" "ونتائج الانتخابات الاسرائيلية" "والمفاوضات القائمة على سكة التوترات والتهديدات بين أميركا وإيران، وارتفاع أسعار النفط، ومصير اتفاق غزة. كل هذا والمسار اللبناني في رأيهم يمكن فصله عما يجري في الإقليم. هذا فصل من فصول تمنيات وتذاكي وتهوّر بعض اللبنانيين.
إسرائيل شرٌ مطلق وخطر على لبنان في الأساس منذ قيامها ولا يتوقع منها خير. لكن الخطر الأكبر، انقسام اللبنانيين. تفكير وممارسات بعض أصحاب القرار المبنية على القناعات المذكورة والقطيعة شبه الكاملة بين مكونات البلد الأساسية، وإذا كان حوار أو تواصل فهو شكلي لا يرقى إلى مستوى التحديات والمخاطر التي يعيشها البلد، وشاشات وسائل الإعلام وهواءها وصفحاتها يملؤها خطاب الكراهية والتخوين والاتهام البعيد كل البعد عن المصلحة الوطنية والأفكار التي يجب أن تكون موضع نقاش وحوار بينها.
إسرائيل تعرف كل ذلك، تعرف كيف تلعب به وتتلاعب بنا. تغذي الخلافات. تقدّم الإغراءات. تعرف نقاط الضعف، تعمّقها. تغذيها وتضرب نقاط القوة مستفيدة من سوء تقدير وتدبير من استند إلى هذه النقاط دون التفات إلى ما تخبئه إسرائيل ومن تفاعل كثيرين معها وانتظار "لحظة الخلاص" ولو على يدها مع كل ما يحمله ذلك من مخاطر على وحدة ومستقبل لبنان!