1 ربيع الأول 1448

الموافق

السبت 15-08-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "دار الأيتام الإسلامية في لبنان"... (رسالة إنسانية خالدة وصَرْحٌ يصنع الأمل)
"دار الأيتام الإسلامية في لبنان"... (رسالة إنسانية خالدة وصَرْحٌ يصنع الأمل)
القاضي م جمال الحلو
2026-08-15
"دار الأيتام الإسلامية في لبنان"... (رسالة إنسانية خالدة وصَرْحٌ يصنع الأمل)

في وطنٍ أثقلته الأزمات، وتناوبت عليه المحن والتحولات، تبقى المؤسسات الإنسانية بمثابة الجسور التي تعيد وصل الإنسان بأخيه الإنسان، وتمنحه الأمل حين تضيق به السبل. وعندما يُذكر العمل الاجتماعي في لبنان، تبرز دار الأيتام الإسلامية باعتبارها واحدة من أهم المؤسسات الرائدة التي كرّست وجودها لخدمة الإنسان، وجعلت من الرحمة والتكافل والعطاء نهجاً ثابتاً ومسيرةً ممتدة عبر الأجيال.

وقد انطلقت هذه المؤسسة العريقة في بدايات القرن الماضي، متأثرةً بالظروف الإنسانية الصعبة التي خلّفتها الحرب العالمية الأولى، لتتحول مع مرور الزمن إلى منظومة متكاملة من مؤسسات الرعاية الاجتماعية التي امتدت خدماتها إلى مختلف المناطق اللبنانية، واضعةً نصب عينيها حماية الإنسان وصون كرامته وتوفير الحياة الكريمة للفئات الأكثر حاجة في المجتمع.
 وتعود جذور المؤسسة إلى عام 1917، ثم تطورت لاحقاً لتضم عشرات المؤسسات والمراكز المتخصصة المنتشرة في لبنان.

ولم يقتصر دور دار الأيتام الإسلامية على رعاية الأيتام فحسب، بل اتسعت رسالتها لتشمل الأطفال الذين يعيشون ظروفاً اجتماعية قاسية، وذوي الاحتياجات الخاصة، والعائلات الأكثر فقراً، وكبار السن، والنساء اللواتي يحتجن إلى التمكين والدعم، إضافةً إلى تقديم برامج تربوية وتعليمية وتأهيلية متخصصة، بما يعكس رؤية إنسانية متكاملة تقوم على العدالة الاجتماعية والمساواة وتكافؤ الفرص.

لقد استطاعت هذه المؤسسة أن تحافظ على رسالتها الإنسانية رغم كل التحديات التي مر بها لبنان، وأن تواكب المتغيرات الاجتماعية والتربوية، من دون أن تتخلى عن قيمها الأصيلة القائمة على المحبة والتعاون والتكافل. ولم تكن مجرد مؤسسة تقدم المساعدة، بل أصبحت مدرسةً في صناعة الإنسان، وحاضنةً للأمل، وبيتاً دافئاً احتضن آلاف الأطفال والمحتاجين، وساهم في إعداد أجيال قادرة على الاندماج في المجتمع والإسهام في بنائه.

ومن الواجب الأخلاقي والإنساني أن نتوجه بالتحية والتقدير إلى مجلس العمدة الكرام، أصحاب الأيادي البيضاء الذين حملوا هذه الرسالة النبيلة بكل أمانة وإخلاص، وسهروا على استمرارها وتطويرها. فقد كان لمجلس العمدة دور محوري في رسم السياسات العامة للمؤسسة، وتعزيز حضورها الاجتماعي، والحفاظ على رسالتها التاريخية، من خلال رؤية حكيمة وإدارة رشيدة تقوم على التخطيط السليم والإيمان العميق برسالة العمل الخيري والإنساني. كما أن ما يبذله أعضاء المجلس من جهود وعطاء يجسد أسمى معاني المسؤولية الاجتماعية والانتماء الحقيقي لقضايا الإنسان والمجتمع.

ولا يمكن الحديث عن مسيرة دار الأيتام الإسلامية من دون التوقف عند الجهود الكبيرة التي بذلها المديرون العامون الذين تعاقبوا على إدارتها عبر العقود الماضية، إذ أسهم كل منهم في مرحلة من مراحل البناء والتطوير، وأضاف لبنةً جديدة إلى هذا الصرح الإنساني الكبير، حتى أصبحت المؤسسة نموذجاً يُحتذى في العمل الاجتماعي والرعائي في لبنان.

وفي هذا السياق، يبرز اسم المدير العام الحالي، الأستاذ بشار القوتلي، الذي يمثل نموذجاً راقياً للإدارة الإنسانية الواعية، ويؤدي دوراً محورياً في مواصلة مسيرة التطوير والارتقاء بالمؤسسات التي تعمل تحت مظلة دار الأيتام الإسلامية. فهو لا يمارس دوره بصفته مديراً عاماً فحسب، بل يتابع أيضاً، بحكم مسؤولياته المباشرة، مختلف التفاصيل المتعلقة بالمؤسسات التابعة، ويقوم بدور فاعل في التنسيق والمتابعة وتلبية الاحتياجات، واضعاً خبرته ووقته وجهده في خدمة هذه الرسالة الإنسانية.

ولعل ما يميز الأستاذ بشار القوتلي هو الجمع بين الكفاءة الإدارية والرؤية الإنسانية الراقية، فهو شخصية تحظى باحترام العاملين والمتابعين للشأن الاجتماعي، لما يتمتع به من أخلاق رفيعة، وتواضع، وحسن تعامل، وحرص دائم على تطوير العمل المؤسسي وتعزيز روح التعاون بين مختلف مكونات المؤسسة.

إنه ذلك الإنسان الذي لا يدخر وقتاً ولا جهداً في سبيل متابعة احتياجات المؤسسات والعاملين فيها والمستفيدين من خدماتها، مؤمناً بأن العمل الإنساني الحقيقي لا يُقاس بالمناصب والألقاب، بل بحجم التضحية والإخلاص والالتزام. ولذلك، فإن حضوره في مختلف المحطات يعكس صورة المسؤول الذي يحمل همّ المؤسسة ورسالتها، ويسعى إلى الارتقاء بها إلى أعلى المستويات.

ومن هنا، فإن مسؤولية الحفاظ على هذا الإرث الإنساني العظيم لا تقع على عاتق الإدارة وحدها، بل هي مسؤولية المجتمع بأسره. ولذلك، فإننا نوجّه دعوة صادقة إلى أصحاب الأيادي البيضاء وأهل الخير وكل المؤمنين برسالة العمل الإنساني إلى مواكبة دار الأيتام الإسلامية، والوقوف إلى جانبها، وتقديم الدعم المادي والمعنوي لها، حتى تتمكن من الاستمرار في أداء رسالتها النبيلة.

فالدعم المادي يضمن استمرار الخدمات وتطوير البرامج وتوسيع دائرة المستفيدين، أما الدعم المعنوي فيمنح العاملين فيها مزيداً من الثقة والإصرار على مواصلة طريق العطاء، ويؤكد أن المجتمع لا يزال يؤمن بقيمة التضامن الإنساني وأهمية العمل الخيري.

إن دار الأيتام الإسلامية ليست مجرد مؤسسة للرعاية الاجتماعية، بل هي جزء من الذاكرة الوطنية اللبنانية، وتراث إنساني ينبغي الحفاظ عليه ونقله إلى الأجيال القادمة، ليبقى شاهداً على أن الخير لا يموت، وأن المحبة قادرة دائماً على الانتصار.

ختاماً، لا يسعنا إلا أن نتوجه بأسمى آيات الشكر والتقدير إلى مجلس العمدة الكرام، أصحاب العطاء الصادق والرؤية الحكيمة، وإلى المدير العام الأستاذ بشار القوتلي، صاحب الأداء الراقي والفكر الإنساني النبيل، وإلى جميع العاملين والمتطوعين والداعمين الذين جعلوا من هذه المؤسسة منارةً للأمل، وصرحاً للرحمة، ومدرسةً في المحبة والعطاء، لتبقى دار الأيتام الإسلامية عنواناً خالداً للإنسانية في لبنان.

ومن حق الأجيال القادمة علينا أن نحافظ على هذا الإرث العظيم، وأن نغرس في نفوسها ثقافة العطاء والتكافل، حتى تبقى هذه المؤسسة رسالةً متجددة تحمل الخير إلى كل محتاج، وتصون كرامة الإنسان أينما كان.


القاضي م جمال الحلو

أخبار مماثلة