8 ربيع الأول 1448

الموافق

السبت 22-08-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

"فسحة الأمل"!
القاضي م جمال الحلو
2026-08-22
"فسحة الأمل"!

تروي الحكايات أن فتاةً صغيرةً، ممدّدةً على فراش المرض، كانت تراقب شجرةً بالقرب من نافذتها، فسألت شقيقتها الكبرى قائلةً:

— برأيكِ يا أختاه، كم ورقةً بقيت على الشجرة؟

أجابت الأخت، وعيناها مغرورقتان بالدموع:

— ولماذا تسألين يا غاليتي؟

قالت الطفلة المريضة:

— لأنني أعلم أن أيامي معدودة، وأن حياتي ستنتهي مع سقوط آخر ورقة من أوراق الشجرة.

وبابتسامة ملؤها الحنان والعاطفة الصادقة، ردّت الأخت الكبرى:

— إذًا، حتى ذلك الحين، سنستمتع بحياتنا ونعيش أيامًا جميلة.

مرّت الأيام، وتساقطت الأوراق تباعًا، حتى لم يبقَ على الشجرة سوى ورقة واحدة.

وظلّت الطفلة المريضة تراقب تلك الورقة، ظنًّا منها أن اليوم الذي ستسقط فيه سيكون يوم انتهاء حياتها.

انقضى الخريف، وأعقبه الشتاء، ومضى عام كامل، ولم تسقط الورقة. وكانت الفتاة سعيدةً إلى جانب أختها، وقد بدأت تستعيد عافيتها شيئًا فشيئًا، حتى شُفيت تمامًا واستردّت نشاطها.

وكان أول ما فعلته بعد شفائها أن ذهبت لترى معجزة الورقة التي لم تسقط، فإذا بها تكتشف الحقيقة: لقد كانت ورقةً بلاستيكيةً ثبّتتها شقيقتها على الشجرة.

وهنا تكمن واحدة من أجمل العِبر: قد يكون الأمل الذي يمنحه إنسانٌ لإنسانٍ آخر أقوى من كثير من الأدوية، وأبلغ أثرًا من كثير من الكلمات.

فالأمل لا يغيّر الواقع دائمًا، لكنه يغيّر نظرتنا إليه، ويمنحنا القوة لنواجهه بدل أن نستسلم له. وقد لا نملك أن نمنع الألم، ولا أن نختصر الطريق، ولا أن نضمن ما سيأتي، لكننا نستطيع أن نزرع في قلبٍ متعبٍ سببًا جديدًا للصبر، وأن نفتح أمامه نافذةً يرى منها شيئًا من الضوء.

وقد يكون الأمل كلمةً صادقةً في لحظة انكسار، أو ابتسامةً تأتي في موعدها، أو يدًا تمتدّ إلى من أوشك على السقوط، أو موقفًا صغيرًا لا نلقي له بالًا، لكنه يترك في نفس صاحبه أثرًا لا ينساه.

كم من إنسانٍ كان على وشك الاستسلام، فأبقته كلمةٌ مخلصة واقفًا، وكم من قلبٍ أنهكه اليأس، فأعادته بارقةُ أمل إلى الحياة، وكم من طريقٍ بدا مسدودًا، ثم انفتح لأن صاحبه لم يتوقف عن الإيمان بأن وراء العسر يسرًا، ووراء الليل فجرًا.

ولعلّ أجمل ما في الأمل أنه لا يحتاج إلى كثير من الأشياء؛ فقد يصنعه إنسانٌ لا يملك إلا قلبًا رحيمًا ولسانًا صادقًا. وربما كانت أعظم المعجزات تلك التي تبدأ في داخل الإنسان، حين يرفض أن يستسلم، ويتمسّك بخيط رفيع من الرجاء، فيتحوّل ذلك الخيط مع الأيام إلى قوةٍ تعيد إليه الحياة.

لذلك، إذا كان في وسعك أن تمنح إنسانًا أملًا، فلا تتردد؛ فقد تكون كلمتك التي تراها عابرةً هي المعجزة التي ينتظرها قلبه. وإذا ضاقت بك الحياة، فلا تجعل ضيق اللحظة حكمًا نهائيًا على المستقبل؛ فالأيام تتبدّل، والقلوب تتعافى، والأبواب التي نظنها مغلقة قد يُفتح أحدها من حيث لا نحتسب.

فالأمل ليس مجرد انتظارٍ لما هو أفضل، بل هو إيمانٌ بأن الأفضل ممكن، وإرادةٌ تدفعنا إلى أن نواصل الطريق حتى يأتي.

وما أحوجنا، في زمنٍ تكثر فيه أسباب اليأس، إلى أن نكون لبعضنا بعضًا «ورقةً لا تسقط»؛ نُبقي بها نافذة الرجاء مفتوحة، ونقول لمن أثقله الألم: لا تستسلم، فما دام في القلب نبض، ففي الحياة متّسعٌ للأمل.

فربما لا نستطيع أن نصنع المعجزة بأنفسنا، لكننا نستطيع أن نكون سببًا في أن يؤمن بها إنسانٌ آخر.

فما أضيقَ العيشَ لولا فسحةُ الأمل.

جنوبيات
أخبار مماثلة