8 ربيع الأول 1448

الموافق

السبت 22-08-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم في الإجازة… لا تفعل شيئًا
في الإجازة… لا تفعل شيئًا
د. مؤيد بدران
2026-08-22
في الإجازة… لا تفعل شيئًا

في صباح يوم إجازة في إسطنبول، وبينما تبدو المدينة أقل استعجالًا من عادتها، خطر لي سؤال بسيط: متى كانت آخر مرة سمحنا لأنفسنا ألا نفعل شيئًا؟

لا اجتماع، لا مكالمة يجب الرد عليها، لا رسالة عاجلة، ولا قائمة طويلة من المهام تنتظر أن نضع بجانبها إشارة الإنجاز.

فقط… لا شيء.

الغريب أننا أصبحنا نخاف من هذا الـ«لا شيء».

نستيقظ في يوم الإجازة، فنمد أيدينا إلى هواتفنا قبل أن نفتح الستائر. نتفقد الرسائل، والبريد، والأخبار، ومواقع التواصل، وكأن العالم كان ينتظر استيقاظنا حتى يبدأ.

حتى الراحة أصبحت تحتاج إلى برنامج!

نحدد أين سنذهب، ومتى سنخرج، ومن سنقابل، وماذا سنفعل، ثم نعود في نهاية الإجازة أكثر تعبًا مما كنا في بدايتها.

لقد أقنعنا أنفسنا، بطريقة ما، أن قيمة الإنسان تقاس بكمية ما ينجزه.

إذا عملنا كثيرًا فنحن ناجحون، وإذا انشغلنا فنحن مهمون، وإذا امتلأ جدولنا بالمواعيد شعرنا أن لحياتنا قيمة.

لكن من قال إن الراحة عكس النجاح؟

ربما تكون الراحة جزءًا منه.

الإنسان ليس آلة خُلقت لتعمل بلا توقف. للعقل حق في الصمت، وللجسد حق في السكون، وللنفس حق في ساعات لا يُطلب منها فيها شيء.

وأحيانًا، أجمل ما يمكن أن نفعله في يوم إجازة هو أن نمشي بلا وجهة.

أن نجلس أمام فنجان قهوة دون أن ننظر إلى الساعة.

أن نتحدث مع من نحب دون أن يكون الهاتف بيننا.

أن ننظر من النافذة، أو إلى البحر، أو إلى المارة، ونترك الحياة تمر أمامنا قليلًا دون أن نحاول إدارتها.

إسطنبول تحديدًا تعرف كيف تعلّمك ذلك.

مدينة مزدحمة وصاخبة، لكنها حين تمنحها بعض الوقت تكشف لك وجهًا آخر: مركب يعبر البوسفور ببطء، نورس يحوم فوق الماء، بائع شاي يرتب كؤوسه، رجل مسن يقرأ صحيفته، وعائلة خرجت فقط لتقضي نهارها معًا.

مشاهد عادية جدًا…

لكن ربما الحياة الحقيقية تختبئ في الأشياء العادية التي لم نعد نملك الوقت لملاحظتها.

نحن نركض كثيرًا خلف الغد؛ خلف صفقة جديدة، مشروع جديد، سفر جديد، نجاح جديد، وهدف آخر بمجرد أن نصل إليه نضع هدفًا بعده.

وهذا جميل، فالطموح هو ما يدفع الإنسان إلى الأمام.

لكن المشكلة تبدأ عندما نعرف كيف نركض، وننسى كيف نتوقف.

فالراحة ليست كسلًا، والتوقف ليس تراجعًا، ويوم بلا إنجازات لا يعني يومًا ضائعًا.

ربما يكون الإنجاز الحقيقي أحيانًا أن تعود مساءً إلى بيتك وقد هدأ رأسك، واتسع صدرك، واستعدت شيئًا من نفسك أضاعته الأيام المزدحمة.

لذلك، في هذا السبت، ومن إسطنبول، سأسمح لنفسي بنصيحة تبدو غريبة في زمن السرعة:

لا تفعل شيئًا لبعض الوقت.

ضع الهاتف جانبًا.

لا تطارد الأخبار.

لا تشعر بالذنب لأنك تستريح.

اجلس مع نفسك، ومع من تحب، واترك العالم يدور قليلًا من دونك.

ستكتشف في النهاية أنه لم يتوقف…

وأنك أنت من كان بحاجة إلى التوقف.

فليست كل ساعة لا نعمل فيها ساعة ضائعة؛ بعض الساعات التي لا نفعل فيها شيئًا، تعيد إلينا القدرة على فعل كل شيء.

جنوبيات
أخبار مماثلة