13 ربيع الأول 1448

الموافق

الخميس 27-08-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "رسالة متأخرة"!
"رسالة متأخرة"!
القاضي م جمال الحلو
2026-08-26
"رسالة متأخرة"!

في أحد أيام الشتاء الماطرة، كان سليم يرتب أوراقه القديمة في مكتبه حين سقط من بين صفحات كتابٍ عتيق ظرفٌ أصفر علاه غبار السنين. حمله متعجباً، وما إن وقعت عيناه على اسمه المكتوب بخط اليد حتى خفق قلبه بقوة. لقد عرف ذلك الخط فوراً؛ إنه خط صديقه القديم فؤاد الذي انقطعت أخباره منذ أكثر من عشرين عاماً.

تأمل سليم الكتاب للحظات، ثم تذكر أنه كان هدية من فؤاد في آخر زيارة له قبل سفره المفاجئ. يومها لم يطل اللقاء، فقد كان فؤاد على عجلة من أمره، ولم يخطر ببال سليم أن صديقه قد أخفى بين صفحاته رسالة لم تُقرأ إلا بعد كل تلك السنوات.

جلس قرب النافذة، بينما كانت قطرات المطر تنساب على الزجاج، وفتح الظرف بحذر كمن يوقظ ذكرى نائمة. كانت الكلمات لا تزال واضحة رغم مرور الزمن.

كتب فؤاد أنه اضطر إلى السفر فجأة بسبب ظروف عائلية قاسية، وأنه حاول مراراً التواصل معه دون جدوى. وأخبره كم كان يشعر بالحزن لأن صداقة امتدت منذ الطفولة انتهت بصمت طويل بسبب سوء فهم عابر كان يمكن تجاوزه بكلمة صادقة أو لقاء قصير.

وتوقفت عينا سليم عند السطور الأخيرة، وكأنها كُتبت في تلك اللحظة:

"إذا وصلتك هذه الرسالة يوماً، فتذكّر أن بعض القلوب لا تنسى، وأن الصداقة الحقيقية لا تموت مهما طال الغياب."

أعاد قراءة الرسالة مرة بعد أخرى. ومع كل قراءة كانت الذكريات تتدفق إلى قلبه؛ ضحكات الطفولة، ومقاعد الدراسة، والأحلام التي نسجاها معاً في سنوات العمر الأولى. كما تذكر ذلك الخلاف الصغير الذي سمح له أن يكبر حتى صار جداراً من الصمت والبعد.

شعر بوخز الندم. لقد مرّت سنوات طويلة كان يمكن أن تنتهي فيها القطيعة بمبادرة بسيطة، لكنه ترك الكبرياء يتولى الأمر، فخسر صديقاً كان يعدّه أقرب الناس إليه.

في تلك الليلة لم يغمض له جفن. ظل يستعيد تفاصيل الماضي ويتساءل أين أصبح فؤاد، وكيف مضت به الحياة طوال تلك الأعوام. وما إن بزغ الصباح حتى بدأ رحلة البحث عنه. سأل أصدقاء قدامى، وتتبع أخباراً متناثرة، حتى عثر أخيراً على عنوانه في مدينة بعيدة.

جلس إلى مكتبه وكتب رسالة طويلة لم تكن مجرد اعتذار، بل كانت اعترافاً صادقاً بسنوات الصمت. حدثه فيها عن الذكريات التي لم تغادره، وعن الرسالة التي خرجت من بين صفحات كتاب قديم لتوقظ ما ظنه الزمن قد مات.

ومرت أسابيع من الانتظار والترقب قبل أن يصل الرد.

لم تكن الرسالة طويلة، لكنها حملت دفئاً يكفي لإذابة جليد عشرين عاماً. كتب فؤاد:

"لم تتأخر يا صديقي، فبعض الرسائل تصل في الوقت الذي تحتاجه القلوب تماماً."

ابتسم سليم وهو يطوي الرسالة برفق، ثم نظر عبر النافذة إلى السماء وقد انقشعت عنها الغيوم. عندها أدرك أن الزمن قد يؤخر الكلمات، لكنه لا يمنعها من الوصول، ولا يحول دون أن تصلح ما أفسدته الأيام.

جنوبيات
أخبار مماثلة