عندما قررت منظمة حزب الشعب الفلسطيني في لبنان، مطلع تسعينيات القرن الماضي، إعادة إصدار جريدة «سنعود»، اختار الرفيق العزيز غسان أيوب أن تكون لوحة «جبل المحامل» للفنان التشكيلي الكبير سليمان منصور غلافاً للجريدة.
كانت «جبل المحامل» لوحة تختصر حكاية شعب؛ يظهر فيها كاهل فلسطيني يحمل القدس على ظهره، في واحدة من أكثر الصور تعبيراً عن ثقل الوطن، ووجع المنفى، والتمسك بالأرض.
أمس، رحل الفنان الكبير سليمان منصور، الذي لم تكن لوحاته مجرد أعمال فنية، بل أصبحت جزءاً من الذاكرة الفلسطينية؛ احتلت جدران البيوت وأزقة المخيمات ، وصدور المجلات،وأغلفة الكتب، وحملت إلى العالم صورة فلسطين كما رآها أبناؤها: أرضاً وإنساناً وذاكرةً وهوية.
كان سليمان منصور أكثر من فنان تشكيلي؛ كان واحداً من الذين جعلوا من الفن شكلاً من أشكال المقاومة، ومن اللوحة مساحة لحفظ فلسطين في الوعي، في زمن كان الاحتلال يسعى فيه إلى اقتلاع المكان والإنسان والذاكرة معاً.
ولم تكن مصادفة أن تتصدر «جبل المحامل» غلاف «سنعود»، وأن تحمل في خلفيتها قضية العودة وتقرير المصير وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس. فقد كان الرجل الذي يحمل القدس على ظهره يجسد، في صورة واحدة، شعباً يحمل وطنه وقضيته وذاكرته، رغم كل أثقال المنفى والاقتلاع.
رحل سليمان منصور، لكن «جبل المحامل» باقٍ، والحمل باقٍ، وفلسطين التي حملها ذلك الكاهل الفلسطيني على ظهره ما زالت حاضرة في الوجدان.
سيبقى سليمان منصور حاضراً في كل بيت علّقت فيه لوحاته، وفي كل قلب رأى في فنه فلسطين التي لا تُنسى ولا تُقتلع.
المجد والخلود للفنان الكبير، صاحب الريشة التي جعلت فلسطين تُرى، وتُحس، وتُحمل في القلب.
رحل صاحب «جبل المحامل»، لكن الجبل باقٍ، والحمل باقٍ، وفلسطين باقية.