11 ربيع الأول 1448

الموافق

الثلاثاء 25-08-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

مقالات مختارة مقالات مختارة التفتيت والتهجير مشروع إسرائيلي استراتيجي
التفتيت والتهجير مشروع إسرائيلي استراتيجي
غازي العريضي
2026-08-25
التفتيت والتهجير مشروع إسرائيلي استراتيجي

تتسارع الخطوات العملية الإسرائيلية لتهجير الفلسطينيين من أرضهم في الضفّة الغربية وقطاع غزّة وإحكام السيطرة الكاملة عليها، وقد سُجّلت أخيراً سلسلة من المواقف الدولية الرافضة، بل المُدينة للممارسات الإسرائيلية بالاعتداء على الفلسطينيين وترويعهم، وإجبارهم على هدم منازلهم ومغادرة مواقع إقامتهم، وقتل من يقف في وجه المستوطنين الذين يحظون بحماية الجيش الإسرائيلي، وينفّذون قرارات رسمية صادرة عن الوزير بن غفير الذي كان موضع انتقاد وهجوم وعرضة لعقوبات فرضتها عليه عدة دول. نشرت وسائل الإعلام العالمية تحقيقاتٍ وصوراً لاعتداءات مفتوحة ضدّ الفلسطينيين، ووثّقت تصريحات مسؤولين إسرائيليين تحمل مزيداً من التهديدات، وإصراراً على استكمال مشروع السيطرة على الأرض، وتردّ، في الوقت ذاته، على منتقدي المستوطنين.
أطلق نتنياهو على بريطانيا وصف "جمهورية بريطانيا الإسلامية". لماذا؟ لأنّ حكومتها انتقدت سياسة التهجير واقتلاع الفلسطينيين من ديارهم. وقال وزير الخارجية إد ميليباند إنّه "يدرس إنشاء نظام عقوبات جديد يتضمّن إجراءات لمنع تبادل السلع والخدمات مع المستوطنات". وقال وزير خارجية فرنسا جان نويل بارو: "ما يحدث اليوم في غزّة والضفّة أمر مُخزٍ للغاية، ولهذا السبب فرضنا عقوبات على بن غفير الذي تعدّ تصريحاته غير مقبولة ولا إنسانية". وسبق لفرنسا أن اعترفت بدولة فلسطين، فعوقبت بإبعادها من أيّ دور في البحث عن حلول في لبنان. وهي غير مقبولة بوصفها شريكاً في قوّة جديدة تحلّ محلّ "يونيفيل" في الجنوب بعد إنهاء مهامها خلال الأشهر المقبلة.

ترفض إسرائيل رفضاً كاملاً أيّ وجود فرنسي، وأيّ استثمار فرنسي، وتحظى بدعم أميركي. ألمانيا انتقدت سياسة التهجير والاستيطان والتوسّع، وأصدرت بياناً مشتركاً مع فرنسا وإيطاليا وبريطانيا جاء فيه: "قرار إسرائيل طرح عروض جديدة لتنفيذ مشروع E1 الاستيطاني في الضفّة غير مقبول". تعرّضت ألمانيا لهجوم سياسي حادّ، ولحملة منظّمة ضدّها تذكّر بتاريخها "النازي"، على الرغم من انحيازها، في مراحل كثيرة، عبر مواقف خدمت مصالح إسرائيل. لكنّ ما تقوم به الأخيرة لم يعد مقبولاً، من دون أي تأثير فعلي عليها.
حتّى السفير الأميركي في إسرائيل مايك هاكابي أعلن أنّ "أفعال مثيري الشغب في الضفّة تضرّ بالشعب اليهودي، وهذا هو تعريف الإرهاب". لماذا؟ لأنّه لم يتمكّن من حماية سكّان منزل في الضفّة من الحصار والضغط عليهم لمغادرته واحتلاله، وصاحب المنزل يحمل الجنسية الأميركية، فاعتبر الأفعال المذكورة إرهاباً. جيّد. ماذا فعل هو ودولته لمواجهة هذا الإرهاب؟ وهم حماة قادته، وهو شخصياً تحدّث عن حقّ إلهي لإسرائيل في السيطرة على لبنان وسورية والأردن وجزء من العراق والسعودية ومصر، وسبق أن برّر الأعمال الإرهابية والإبادة الجماعية التي ارتكبتها إسرائيل ضدّ الفلسطينيين. تحرّك نظرياً عندما تعلّق الأمر بمواطن فلسطيني يحمل الجنسية الأميركية. ومع ذلك لم تلبِّ إسرائيل رغبته: الأصل فلسطيني، والأصل مرفوض، منبوذ، غير مقبول، عدوّ.
سلطات الاحتلال، بالتزامن مع الحملة الاستيطانية الجديدة، وعلى الرغم من كلّ النداءات والإدانات، اعتقلت منذ أيّام وزير شؤون القدس في الحكومة الفلسطينية أشرف الأعور عقب اقتحام منزله في بلدة سلوان. شؤون القدس وغيرها في عهدة المؤسسات الإسرائيلية، هذه هي سياسة دولة الإرهاب والاغتصاب منذ نشوئها، لم تتغيّر ولن تتغيّر في هذه المرحلة بالذات، مرحلة الاندفاع اللامحدود في كلّ الاتجاهات والساحات المفتوحة لها للأسف.
مشروع الاستيطان الجديد سيستوعب إسرائيليين موجودين في الداخل وأعداداً أخرى سيأتون بهم من الخارج. يخطّطون اليوم لاستكمال استقدام "يهود" الهند، وفي مقدمتهم "بني منشيه" (جماعة من شمال شرقي الهند تطالب بالاعتراف بجذورها اليهودية القديمة). سبق لإسرائيل أن استقدمت يهوداً هنوداً، ومنهم من انتمى إلى بني منشيه، وعومل قسم منهم معاملةً سيئةً، وكان هناك تمييز ضدّهم، لكنّ المهمّ هو الاستيطان. واليوم، أثير نقاش في أوساط إسرائيلية متابعة حول أصول هؤلاء الهنود، ووصل بعضهم إلى حدّ القول إنّهم ليسوا من أصول شرق أوسطية، لكنّ بعض الحاخامات أكّد أنّ مجرّد وصول هؤلاء سيساهم في "ظهور السيّد المسيح المخلّص تمهيداً لوقوع القيامة". وقد شارك عدد من هؤلاء في الحرب على غزّة، وأثبتوا ولاءهم وشجاعتهم.
لكنّ المشروع الأخطر، الذي يعبّر عن عمق التفكير الإسرائيلي، أعلنه وزير المالية سموتريتش، الذي قال: "ثمّة خطّة لجلب مليون مهاجر يهودي من أميركا الشمالية وأوروبا إلى إسرائيل خلال السنوات العشر المقبلة. الخطّة عُرضت على نتنياهو. والاهتمام قائم الآن على ضمّ الضفّة إلى السيادة الإسرائيلية. علينا معالجة موضوع الهجرة بالمستوى نفسه من الزخم والاستثمار الذي عالجنا به قضايا الأمن والاستيطان". وتوقّف عند يهود فرنسا مثالاً، وقال: "مؤسّساتهم الجماهيرية قوية. التوجّه إليهم يكون بدعوتهم إلى القدوم كتلةً واحدةً. تعالوا مع الحاخام الخاص بكم. مع مدرستكم ومجتمعكم. الهدف دمج القادمين في المجتمع الإسرائيلي. لا نريد أن يواصلوا التحدّث باللغة الفرنسية بعد مائة عام. هذه ليست مصاريف بل استثمار. جزء كبير من النمو في إسرائيل كان بعد وصول مليون يهودي جديد في التسعينيّات. النقص في القوى العاملة أحد العوامل الرئيسة التي تحدّ من النمو". وشرح الإجراءات التي اتخذها لتعزيز هذا التوجّه وتحقيق الهدف المنشود منها: "إعفاءات ضريبية، وحوافز لجذب القادمين، والاعتراف بشهاداتهم المهنية، و1600 طبيب سيصلون من أميركا الشمالية خلال فترة قريبة، فموجة الأطباء الذين جاءوا من الاتحاد السوفياتي السابق بدأت تتقاعد، يجب سدّ الفجوة في الجهاز الصحّي. لا مستقبلَ طويل الأمد للجاليات اليهودية خارج إسرائيل بسبب ارتفاع معاداة السامية وعدم الشعور بالأمن".
هذا هو العقل الإسرائيلي، وهذه خطط الفعل الإسرائيلي. لا جديد في هذا الخطر. إنّه يستهدفنا منذ ما قبل قيام كيان الاحتلال، ولا يزال يشكّل خطراً متصاعداً ضدّنا. ولا جديد في العقل العربي، ولا دورَ عربياً فعلياً يُذكر. تريد إسرائيل اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم، تخشى "الخطر" الديموغرافي في الداخل، ما يسمّونها "القنبلة الديموغرافية"، وهذا السبب الأساس للتهجير. وتخشى الخطر الديموغرافي في المحيط، وهذا هو سبب تفتيت دوله وإثارة المشاكل وتحريك النزعات المذهبية والطائفية وخلق ودعم ورعاية منظّمات وهيئات "متطرّفة" في مرحلة، و"إرهابية" في مرحلة لاحقة، وتصنيف ردّات الفعل على هذه السياسات بوصفها أعمالاً "إرهابية" لتبرير حملات الإبادة والقتل المفتوح واستهداف الجميع.
ومنذ عقود وأنا أكتب عن هذه السياسة، وأتابع الخطوات والمشاريع الإسرائيلية الخطيرة، إضافة إلى الحديث الدائم عن استقدام يهود من إثيوبيا واليمن والهند وأوروبا، وافتعال مشاكل في أوروبا لتخويف اليهود والاستفادة من أيّ تراجع أو اهتزاز في أي مكان لدعوتهم إلى العودة إلى "أرض الميعاد". "هذه أرضكم، وهنا أمنكم، وأمانكم ومستقبلكم وحرّيتكم في ممارسة شعائركم. معاداة السامية تنتشر في كل مكان، تعالوا إلى بيتكم، إلى أهلكم، وساهموا في بناء مجتمعكم الكبير، ولنعمل معاً منتظرين المسيح المخلّص ونحتفل بتحرير أرضنا واستعادتها".
إسرائيل مستنفرة منذ قيامها لتحقيق هذا الهدف. تخطّط وتضع برامج التنفيذ على مراحل. أبرز مثال: استقدام مجتمعات متكاملة بمؤسّساتها كلّها، والتخطيط لمائة عام كي لا يبقى مواطن قادم من دولة معينة يتحدّث لغة دولته. اللغة عبرية، والطقوس عبرية: "لقد اختاركم الله واختارنا الله لهذه الأهداف. نحن وأنتم مميّزون. تعالوا إلينا، إلى دياركم الأصلية، وإلى تراثكم الأصلي الأصيل".

يصادر العرب الكتب وحرّية التعبير والتفكير، يهجّرون العقول والعلماء، فيستفيد منهم الغرب وشركاته ومصانعه في مجالات مختلفة، وبعضهم يفاخر بعلاقته وشراكته مع دولة الاحتلال. ويتقاتلون مع بعضهم بعضاً على أراضٍ عربية، والمستفيد الأكبر والأوّل من استنزاف الطاقات وتعميق الانقسامات والأحقاد والخلافات إسرائيل. وفي مثل هذه الحالة هم لا يفكرون لأيّام، فكيف سيواجهون تخطيطاً استراتيجياً إسرائيلياً يمتدّ لمائة عام ويستهدفهم مجتمعين؟
لو أرادوا لاستفادوا على الأقلّ من وثبات في مراحل معينة، ولتعلّموا من ثبات الشعب الفلسطيني، ومن قوة إيمانه وصلابته، وتمسّكه بحقّه وأرضه، على الرغم من كلّ أشكال الإبادة التي يتعرّض لها. العالم تغيّرت نظرته إلى إسرائيل. هناك مظاهرات، ومسيرات، وكتب، ومؤلّفات، ومناسبات ثقافية، وموسيقية، وإعلامية، وطلابية، وأكاديمية، ورياضية، وفنّية، وبحثية، وفكرية، وتاريخية، وحضور لافت فيها لشخصيات تعبّر بوضوح عن أنّها اكتشفت الحقيقة، حقيقة إسرائيل. والعرب في عالم آخر، لا يستفيدون من ذلك. توهّموا أنّهم بدفع المال لأميركا يوفّرون الحماية. لم تحمِ أميركا قواعدها لديهم، وتخلّت عنهم، وهي تبتزّهم، وتأتي إسرائيل لتقدّم نفسها حاميةً، وهي التي ورّطت أميركا في الحرب على إيران، وامتدت آثار هذه الحرب في المنطقة كلّها، لأنّ إسرائيل هي المستفيد الأكبر منها. وهي تخاطب العرب بأنّها منقذهم وحاميتهم وضامنة مصالحهم بعد تصالحهم معها ووضع إمكاناتهم تحت تصرّفها.
بعد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، ورثت أميركا كلّاً من فرنسا وبريطانيا. واليوم، تعمل إسرائيل "الكُبرى"، سياسياً وعسكرياً وتقنياً وعلى مستوى التخطيط، قبل أن تقوم جغرافياً، لترث أميركا وتبقى هي صاحبة الدور الأساس في المنطقة. لا أحد بحاجة إلى تخويف العرب وكشف ما تريده إسرائيل. هي تقول ما تريد وتفعل ما تريد بوضوح، وتعلن ما تخطّط له، وهنا الكارثة الكبرى.
تحيّة للصابرين الصامدين المرابطين الثابتين على إيمانهم وحقّهم، على الرغم من عذابهم غير المسبوق وحرب الإبادة ضدّهم في غزّة والضفّة، وفي كلّ مكان في فلسطين.

العربي الجديد
أخبار مماثلة