ثمة متغير عميق يتشكل في العالم، لا يقتصر على الموقف من الحرب في غزة أو من سياسات الحكومة الإسرائيلية، وإنما يمتد إلى مساحة ظلت، لعقود، شديدة الحساسية في الحياة السياسية والإعلامية الغربية: هل يمكن نقد إسرائيل والصهيونية بحرية، من دون أن يتحول النقد تلقائياً إلى اتهام بمعاداة السامية؟
في هذا السياق، اكتسب الحكم الأخير للمحكمة العليا في نيو ساوث ويلز بأستراليا أهمية تتجاوز وقائع القضية التي صدر فيها، رغم أنه لا ينبغي تحميله أكثر مما يحتمل.
فالقضية تعلقت بمحمد فرحات، الذي أدين بأعمال تخريب وإحراق وكتابة شعارات معادية لإسرائيل، وسعت السلطات إلى إخضاعه لأمر إشراف إضافي باعتباره يشكل خطراً ذا صلة بالإرهاب. غير أن القاضي دزموند فاغان رفض الأمر، وخلص إلى أن أفعاله لم تكن مدفوعة، وفق الأدلة المعروضة أمام المحكمة، بدافع أيديولوجي أو كراهية لليهود، وانتقد بشدة الطريقة التي جرى بها توصيف شعارات معادية لإسرائيل باعتبارها دليلاً على معاداة السامية. كما وجّه انتقادات حادة إلى استخدام تعريف التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست (IHRA) في هذه القضية.
وقد أثار الحكم جدلاً واسعاً في أستراليا، بين من رأى فيه دفاعاً مهماً عن حرية التعبير السياسي وضرورة عدم الخلط بين نقد إسرائيل ومعاداة اليهود، ومن اعتبره توسعاً قضائياً في قضية بالغة الحساسية. كما أعلنت حكومة نيو ساوث ويلز أنها تسعى للحصول على مشورة قانونية عاجلة بشأن إمكانية الاستئناف.
وهنا تكمن أهمية الحكم الحقيقية: ليس لأنه أنهى الجدل، وإنما لأنه كشف بوضوح أن الجدل نفسه لم يعد قابلاً للإغلاق.
فمعاداة السامية حقيقة عنصرية وكراهية يجب التصدي لها بلا تردد. واستهداف اليهود بسبب هويتهم، أو تحميل اليهود في العالم جماعياً مسؤولية سياسات إسرائيل، أو استخدام الصور النمطية المهينة ضدهم، يظل معاداة للسامية أياً كان مصدره.
لكن مكافحة هذه الظاهرة لا ينبغي أن تتحول إلى حصانة سياسية أو أخلاقية لدولة إسرائيل، ولا إلى منع مناقشة الصهيونية باعتبارها حركة وأيديولوجيا سياسية.
وهنا تصبح الدقة في المصطلحات جزءاً من الدقة في الموقف.
فاليهود في العالم ليسوا «شعباً» بالمعنى السياسي الذي يجعلهم كياناً واحداً ذا حكومة أو دولة. إنهم جماعات وأفراد ينتمون إلى مجتمعات ودول مختلفة، ويحملون جنسيات وانتماءات وطنية متعددة. واليهودية ديانة عالمية، وليست دولة. أما إسرائيل فهي دولة ذات حكومة ومؤسسات وسياسات قابلة للنقد والمساءلة. والصهيونية حركة وأيديولوجيا سياسية لها تاريخ واتجاهات ومدارس متعددة.
ومن ثم لا يجوز الخلط بين هذه المستويات الأربعة، كما لا يجوز تحميل اليهود في الولايات المتحدة أو أستراليا أو أوروبا أو غيرها مسؤولية ما تفعله حكومة إسرائيل، ولا اعتبار موقف تلك الحكومة ممثلاً لليهودية أو لليهود في العالم.
وهذا التمييز ليس ترفاً لغوياً، وإنما شرط أساسي لنقاش سياسي وأخلاقي سليم.
لقد ظل الخوف من تهمة معاداة السامية، في قطاعات من المجال العام الغربي، يؤدي أحياناً إلى نقل النقاش من مضمون السياسة إلى نوايا الناقد: انتقد الاحتلال، أو الاستيطان، أو الحرب، أو الحكومة الإسرائيلية، فيصبح السؤال سريعاً: هل أنت معادٍ للسامية؟ بدلاً من أن يكون السؤال: هل ما تقوله عن الاحتلال أو الحرب أو حقوق الفلسطينيين صحيح أم خاطئ؟
لكن هذا الجدار بدأ يتصدع.
فالحرب الطويلة في غزة، وما رافقها من مشاهد الدمار والقتل والنزوح والمأساة الإنسانية، أحدثت تحولاً واسعاً في وعي قطاعات من الرأي العام العالمي، ولا سيما بين الشباب والجامعات والنقابات ومنظمات حقوق الإنسان. ولم يعد التعاطف التقليدي مع إسرائيل، الذي كان راسخاً في قطاعات واسعة من الغرب، قادراً على منع الأسئلة الجديدة من الظهور.
وتؤكد استطلاعات الرأي حجم هذا التحول. فقد أظهر استطلاع مركز Pew في ربيع 2026، شمل 36 دولة، أن النظرة السلبية إلى إسرائيل بلغت وسيطاً قدره 67% مقابل 25% نظرة إيجابية. وهذا لا يعني إجماعاً عالمياً ضد إسرائيل، لكنه يعكس تحولاً بالغ الدلالة في المزاج الدولي.
والأهم أن هذا التحول لا يقتصر على الحكومات أو النخب السياسية؛ بل يمتد إلى مساحات واسعة من المجتمعات، وإلى أجيال شابة باتت تنظر إلى القضية الفلسطينية من زاوية مختلفة، أكثر ارتباطاً بحقوق الإنسان والقانون الدولي وصور الحرب والاحتلال، وأقل استعداداً لقبول الاستثناءات التقليدية.
وفي الوقت نفسه، يتصاعد النقاش في دول غربية عديدة حول تعريف معاداة السامية، وحول استخدام تعريف IHRA، وحدود تطبيقه في الجامعات والمؤسسات العامة والمجال السياسي. وفي أستراليا نفسها أصبح الحكم موضوع مواجهة سياسية وقانونية ومجتمعية واسعة، بما يؤكد أن المسألة لم تعد هامشية أو قابلة للحسم بقرار إداري واحد.
إننا، في جوهر الأمر، أمام معركة على حدود حرية التعبير وعلى حق المجتمع في التمييز بين الكراهية والعنصرية من جهة، والنقد السياسي من جهة أخرى.
والمطلوب ليس استبدال احتكار بآخر؛ فلا يجوز استخدام نقد إسرائيل غطاءً للكراهية ضد اليهود، كما لا يجوز استخدام مكافحة معاداة السامية لإسكات النقد المشروع لإسرائيل أو الصهيونية.
إن المعيار العادل يجب أن يكون واحداً للجميع: نواجه الكراهية حيثما ظهرت، ونحمي اليهود من العنصرية، وفي الوقت نفسه نحمي حق الإنسان في نقد الدولة والحكومة والأيديولوجيا والسياسة.
من هنا، فإن الحكم الأسترالي ينبغي أن يُقرأ بوصفه علامة في مسار أوسع، لا باعتباره نهايته.
فالجدار الذي فصل، طويلاً، بين نقد إسرائيل وبين الاتهام بمعاداة السامية يتصدع، وحاجز الخوف الذي منع كثيرين من الكلام لم يعد بالقوة نفسها.
وقد يكون هذا هو التحول الأعمق: أن تصبح إسرائيل، مثل سائر الدول، موضوعاً للنقد والمساءلة، لا استثناءً فوق النقد.
أما اليهود في العالم واليهودية كدين، فهما خارج هذا الخلط: لهما كامل الحق في الأمن والكرامة ومواجهة الكراهية والتمييز.
احترام اليهود لا يعني الصمت عن إسرائيل، ومكافحة معاداة السامية لا تعني تحصين الصهيونية من النقد. وحين يسقط الخلط بين هذه المفاهيم، يبدأ الجدار في التهاوي، وينهار معه حاجز الخوف.
د. عبدالرحيم جاموس
الرياض
8/2026 /24 م