11 ربيع الأول 1448

الموافق

الثلاثاء 25-08-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم السعودية وفرنسا... شراكة استراتيجية تتجاوز المصالح إلى صناعة التوازن والسلام
السعودية وفرنسا... شراكة استراتيجية تتجاوز المصالح إلى صناعة التوازن والسلام
د. عبد الرحيم جاموس
2026-08-25
السعودية وفرنسا... شراكة استراتيجية تتجاوز المصالح إلى صناعة التوازن والسلام

ليست زيارة ولي العهد السعودي رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا، وما رافقها من لقاءات واتفاقيات ومباحثات، حدثاً بروتوكولياً عابراً في مسار العلاقات بين الرياض وباريس؛ كما أنها لا تختزل في بعدها الاقتصادي، رغم اتساع المصالح والاستثمارات المتبادلة. 
إنها محطة جديدة في مسار علاقة تتجه بصورة متسارعة من التعاون التقليدي إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد، تتقاطع فيها السياسة والاقتصاد والدفاع والتكنولوجيا والطاقة والثقافة، وتمتد آثارها إلى قضايا الأمن والسلام والاستقرار في الشرق الأوسط والعالم.
وقد اكتسبت هذه الزيارة أهمية إضافية مع انعقاد الاجتماع الأول لمجلس الشراكة الاستراتيجية السعودي الفرنسي، برئاسة الأمير محمد بن سلمان والرئيس إيمانويل ماكرون، وما صدر عن البلدين من تأكيد لطموحاتهما في تعميق هذه الشراكة وتوسيع مجالاتها.
دولتان بوزن مختلف... ومصالح متقاطعة
تستمد المملكة العربية السعودية وفرنسا ثقلهما الدولي من مصادر مختلفة، لكنهما تلتقيان في امتلاك قدرة حقيقية على التأثير في صناعة القرار الإقليمي والدولي.
السعودية دولة محورية في العالم العربي والإسلامي، ذات ثقل اقتصادي وطاقوي وجيوسياسي كبير، وموقع مركزي في منظومة أمن الخليج، فضلاً عن تنامي دورها في الوساطة والدبلوماسية الدولية. 
أما فرنسا فهي دولة أوروبية كبرى، وعضو دائم في مجلس الأمن، وتمتلك تقاليد دبلوماسية مستقلة وحضوراً تاريخياً في الشرق الأوسط، إلى جانب موقعها المؤثر داخل الاتحاد الأوروبي.
وهنا تكمن القيمة الاستراتيجية للعلاقة: السعودية تمنح الشراكة عمقها العربي والإسلامي والإقليمي والاقتصادي، وفرنسا تمنحها بعداً أوروبياً ودولياً وسياسياً.
ومن شأن الجمع بين هذين الوزنَين أن ينتج قدرة أكبر على التأثير في الملفات التي تتجاوز حدود البلدين.
من الشراكة الثنائية إلى التأثير الإقليمي
اللافت في المسار الجديد أن أجندة الرياض وباريس لم تعد محصورة في العلاقات الثنائية، وإنما أصبحت تشمل قضايا الأمن الإقليمي والدولي: فلسطين وغزة، إيران، أمن الخليج، حرية الملاحة، لبنان، سوريا، والطاقة، إلى جانب التعاون الدفاعي والتكنولوجي.
وفي الملف الإيراني، أكد الطرفان أهمية التوصل إلى حل تفاوضي وتجنب التصعيد، مع التشديد على أمن الملاحة في مضيق هرمز؛ وهي مقاربة تعكس إدراكاً مشتركاً بأن أمن الخليج ليس قضية إقليمية منفصلة عن الأمن الاقتصادي والسياسي الدولي.
وهنا تظهر فلسفة مشتركة يمكن أن تشكل أساساً مهماً للشراكة: القوة لا ينبغي أن تكون بديلاً عن السياسة، والأمن المستدام لا يمكن أن يبنى على الحروب المفتوحة، وإنما على التسويات السياسية وضمان المصالح المشروعة للدول والشعوب.
فلسطين... الاختبار الحقيقي
تبقى القضية الفلسطينية أكثر الملفات حساسية وأهمية في قياس جدية أي دور عربي أو أوروبي في صناعة السلام.
وقد أعاد البيان السعودي الفرنسي التأكيد على قيام الدولة الفلسطينية، وعلى حل الدولتين، ورفض الإجراءات التي تقوض هذا الحل، بما فيها الاستيطان وعنف المستوطنين، مع التأكيد على وحدة الأراضي الفلسطينية.
وهنا تستطيع الشراكة السعودية الفرنسية أن تكتسب بعداً تاريخياً إذا نجحت في الانتقال من تأييد حل الدولتين سياسياً إلى توفير أدوات دولية لحمايته وتنفيذه.
فالسعودية تمتلك مكانة عربية وإسلامية ودولية تؤهلها للتأثير في الموقف العربي والإسلامي وفي علاقاتها بالقوى الكبرى، وفرنسا تمتلك قدرة على التأثير داخل أوروبا وفي مجلس الأمن.
 وإذا ما تضافرت هذه القدرات مع الموقف الأوروبي والدولي الأوسع، فإن بالإمكان تشكيل كتلة سياسية ودبلوماسية أكثر قدرة على مواجهة سياسة فرض الأمر الواقع، وحماية حل الدولتين، وفتح الطريق أمام تسوية عادلة تقوم على إنهاء الاحتلال وتمكين الشعب الفلسطيني من حقه في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة.
ولذلك فإن فلسطين ليست ملفاً هامشياً في الشراكة السعودية الفرنسية؛ بل يمكن أن تكون أحد أهم ميادين اختبارها الأخلاقي والسياسي والدولي.
الاقتصاد... من النفط إلى اقتصاد المستقبل
الاقتصاد يمثل ضلعاً أساسياً في هذه الشراكة، لكن أهميته تتجاوز حجم الصفقات.
فالسعودية في إطار رؤية 2030 تعمل على بناء اقتصاد أكثر تنوعاً، وتعزيز الاستثمارات والتكنولوجيا والصناعة والسياحة والطاقة الجديدة والذكاء الاصطناعي، بينما تبحث فرنسا عن فرص استثمارية وشراكات طويلة الأمد في واحدة من أسرع الاقتصادات تحولاً في العالم.
وقد شهدت زيارة الأمير محمد بن سلمان اتفاقات ومشروعات في مجالات الدفاع والطاقة والذكاء الاصطناعي والنقل والسياحة وغيرها، بما يؤكد اتساع قاعدة العلاقة الاقتصادية. ومن أبرز المشاريع المعلنة مشروع ترفيهي سعودي في فرنسا تبلغ قيمته نحو ستة مليارات يورو، إضافة إلى اتفاقات أخرى في قطاعات استراتيجية.
والأهم أن هذه العلاقة الاقتصادية تنقل الشراكة من منطق بيع وشراء إلى منطق إنتاج مشترك للمعرفة والتكنولوجيا والاستثمار.
وهذا التحول بالغ الأهمية؛ لأنه يربط المصالح السعودية والفرنسية بعقود طويلة الأجل، ويجعل العلاقة أكثر رسوخاً وأقل تعرضاً لتقلبات السياسة الدولية.
الدفاع والأمن... شراكة في بناء القدرات
توسيع التعاون الدفاعي بين البلدين، بما يشمل التسليح والتدريب والصناعات الدفاعية، يحمل دلالات تتجاوز صفقات السلاح.
فالسعودية تسعى إلى تطوير قدراتها الدفاعية والصناعات العسكرية الوطنية، وتنويع مصادر التكنولوجيا والخبرات، بينما تمتلك فرنسا قاعدة صناعية وعسكرية متقدمة واستقلالية نسبية في قرارها الدفاعي.
ومن هنا يمكن أن تتطور العلاقة إلى شراكة صناعية وتكنولوجية دفاعية، لا تقتصر على شراء المعدات، وإنما تشمل التدريب ونقل المعرفة والتصنيع والتطوير المشترك.
وهذا النوع من الشراكات ينسجم مع التحولات الكبرى في مفهوم الأمن، حيث أصبحت التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والفضاء والطاقة جزءاً من منظومة الأمن الوطني.
الذكاء الاصطناعي والطاقة... ميدان المستقبل
إذا كان النفط قد شكل أحد أهم مفاتيح العلاقات الدولية خلال القرن العشرين، فإن الذكاء الاصطناعي والطاقة المتقدمة والتقنيات الرقمية ستكون من مفاتيح القوة في القرن الحادي والعشرين.
ومن هنا فإن التعاون السعودي الفرنسي في الذكاء الاصطناعي والطاقة والتقنيات المتقدمة يمثل استثماراً في المستقبل، وليس مجرد تعاون اقتصادي آني. 
وقد عكست الاتفاقيات المعلنة خلال الزيارة هذا الاتجاه نحو توسيع التعاون في قطاعات التكنولوجيا والطاقة والابتكار.
وهذا يفتح المجال أمام شراكات جديدة في الجامعات ومراكز الأبحاث والشركات الناشئة والتقنيات المتقدمة، ويمنح العلاقة بعداً معرفياً وثقافياً لا يقل أهمية عن بعدها السياسي.
سوريا ولبنان والمنطقة... سياسة إعادة البناء
ومن المؤشرات المهمة أيضاً أن التعاون السعودي الفرنسي امتد إلى دعم التعافي الاقتصادي في سوريا، من خلال إطلاق مجلس أعمال سعودي ـ سوري ـ فرنسي مشترك، بما يعكس اهتماماً بإعادة دمج الاقتصاد السوري في محيطه العربي والدولي.
وهذا ينسجم مع رؤية أوسع: أن الاستقرار لا يتحقق فقط بإيقاف الحرب، وإنما بإعادة بناء الدول والمؤسسات والاقتصادات وفتح فرص التنمية أمام شعوبها.
وهنا يمكن للسعودية وفرنسا أن تؤديا دوراً مهماً في مرحلة إعادة بناء المنطقة، ليس من خلال فرض نماذج سياسية جاهزة، وإنما عبر دعم الحلول الوطنية، واحترام سيادة الدول، وتشجيع إعادة الإعمار والتنمية.
شراكة لا تقوم على الاصطفاف
من الخطأ قراءة التقارب السعودي الفرنسي باعتباره انتقالاً من محور إلى محور، أو محاولة لتشكيل تحالف مغلق في مواجهة قوة دولية أو إقليمية أخرى.
الأقرب إلى حقيقة السياسة السعودية الراهنة أنها تقوم على تنويع الشراكات وعدم الارتهان إلى محور واحد.
فالرياض تستطيع أن تتعاون مع واشنطن، وبكين، وموسكو، وباريس، ولندن، وغيرها، وفق المصالح الوطنية والاستراتيجية السعودية. وفرنسا بدورها تتمسك بهامش من الاستقلالية في سياستها الخارجية، وتسعى إلى أن يكون لأوروبا دور أكبر في صناعة القرار الدولي.
ومن هنا فإن العلاقة السعودية الفرنسية يمكن أن تكون نموذجاً لما يمكن تسميته الدبلوماسية المتعددة الشراكات؛ أي بناء شبكة من العلاقات بدلاً من الانضمام إلى محاور جامدة.
من إدارة الأزمات إلى صناعة التسويات
ربما تكون هذه هي النقطة الأهم في قراءة مستقبل العلاقة.
فالشرق الأوسط لم يعد يحتمل إدارة الأزمات بالطريقة التقليدية: حرب، ثم هدنة، ثم حرب جديدة، ثم مفاوضات مؤقتة.
المنطقة تحتاج إلى الانتقال من إدارة الصراع إلى معالجة جذوره.
وهنا تستطيع الرياض وباريس، إذا أحسنتا استخدام ثقلهما السياسي، أن تلعبا دوراً في بناء مسارات تفاوضية متعددة: في فلسطين، وفي أمن الخليج، وفي سوريا ولبنان، وفي العلاقات بين القوى الإقليمية.
لكن نجاح ذلك يتطلب وضوحاً في المبادئ، واستقلالية في القرار، وقدرة على ممارسة الضغط السياسي، وربط المصالح الاقتصادية بالأهداف الاستراتيجية، وعدم الاكتفاء بالبيانات الدبلوماسية.
المستقبل... شراكة قابلة لصناعة فارق
إن العلاقة السعودية الفرنسية تتجه اليوم إلى مرحلة جديدة؛ مرحلة لا تقاس فقط بحجم التجارة والاستثمار، ولا بعدد الاتفاقيات الموقعة، وإنما بمدى قدرة البلدين على تحويل الوزن السياسي والاقتصادي والدبلوماسي الذي يمتلكانه إلى قوة دفع نحو الاستقرار والتنمية والسلام.
وهذا هو المعنى الأعمق لزيارة الأمير محمد بن سلمان إلى باريس.
فالسعودية التي تتحول اقتصادياً واجتماعياً وتعيد تعريف موقعها في النظام الدولي، تلتقي مع فرنسا التي تبحث عن دور أوروبي ودولي أكثر استقلالاً وتأثيراً، في لحظة يشهد فيها العالم انتقالاً عميقاً في موازين القوة.
ولذلك فإن الشراكة بين الرياض وباريس ليست شراكة بين دولتين فحسب؛ إنها، إذا أحسن الطرفان استثمارها، جسر بين العالم العربي وأوروبا، وبين الاقتصاد والسياسة، وبين الأمن والتنمية، وبين المصالح الوطنية والمسؤولية الدولية.
ويبقى الامتحان الحقيقي في قدرة هذه الشراكة على إنتاج نتائج ملموسة: حماية أمن المنطقة، دعم استقلال الدول وسيادتها، إنهاء دوائر الحرب، دعم الدولة الفلسطينية وحق شعبها في الحرية والاستقلال، والمساهمة في بناء نظام إقليمي أكثر توازناً ونظام دولي أكثر عدلاً.
عندها فقط يمكن القول إن الرياض وباريس لم تكتفيا ببناء علاقة استراتيجية بينهما، بل بدأتا بالفعل في صناعة مساحة جديدة للسلام والاستقرار في عالم يزداد اضطراباً وحاجةً إلى التوازن والعقلانية والحكمة السياسية.

جنوبيات
أخبار مماثلة