تستدعي اللحظة الوطنية الراهنة، في ظل التحلل المالي والشلل البنيوي الذي يصيب مؤسسات الدولة اللبنانية، إعادة التفكير في أسس الصمود الاجتماعي والسياسي. فالأزمة المستفحلة لم تعد تقتصر على حدود الإرباك المالي، بل طالت جوهر الفكرة الوطنية والركائز المعيشية التي تحمي كرامة المواطن. وفي هذا السياق المتشابك، تتجلى المقاربة التي يطرحها النائب الدكتور أسامة سعد والقوى الوطنية بوصفها امتداداً لمسار تاريخي متجذر في مدينة صيدا والجنوب، مسار تأسس على يد الشهيد معروف سعد واستمر مع المناضل مصطفى سعد، ليرسم معالم نهج يقرن النضال النقابي الميداني بالرؤية السياسية الشاملة.
إن تجربة التعامل مع قضايا الفئات الكادحة، وفي مقدمتها قطاع صيادي الأسماك في صيدا، لا تمثل مجرد دفاع عن مطالب فئوية محدودة، بل تقف كشاهد حي على الصراع الممتد بين مفهوم الدولة الراعية التي تحمي مواطنيها وتصون حقوقهم، وبين ممارسات المنظومة القائمة على المحاصصة وتهميش القطاعات الإنتاجية. لقد كان الميناء دائماً، بوصفه عصب الحياة الاقتصادية لآلاف العائلات، ساحة مواجهة سعت من خلالها القوى الوطنية إلى إثبات أن حماية لقمة عيش المواطن هي جزء لا يتجزأ من حماية السيادة الوطنية والتصدير المباشر لمشروع الدولة المدنية الجامعة.
تتبدى البدايات النضالية لهذا النهج في الوعي المبكر بأهمية التنظيم الشعبي والميداني. فقد أدرك الشهيد معروف سعد أن مواجهة التهميش الاجتماعي والحد من الاستغلال لا ينفصلان عن مواجهة المخاطر الخارجية التي تهدد الوطن، وفي مقدمتها العدو الإسرائيلي وأطماعه التاريخية في أرض لبنان ومياهه وثرواته. هذا التلازم بين خيار المقاومة الوطنية بوجه العدو الإسرائيلي وبين خيار الدفاع عن حقوق العمال والفقراء هو المزيج الذي منح الحراك الشعبي في الجنوب عمقه الصلب. ومن هذا الموروث بالذات، استكمل رمز المقاومة الوطنية مصطفى سعد المسيرة في أحلك الظروف الوطنية، مواجهاً محاولات تفتيت المجتمع وإشاعة الفتنة الداخلية، ومؤكداً أن صمود النافضين للاحتلال يتطلب بالضرورة صموداً اجتماعياً واقتصادياً يضمن حريتهم وكرامتهم.
واليوم، ينطلق الدكتور أسامة سعد من هذا الإرث الثابت ليعيد صياغة أدوات المواجهة بما يتناسب مع تعقيدات الأزمة الراهنة. وفي مقدمة القضايا التي تتصدر هذه المواجهة، يأتي ملف التهميش القانوني والاجتماعي للقطاعات المهنية والحرفية.
إن حرمان صيادي الأسماك والمزارعين وغيرهم من أصحاب المهن غير المنتظمة من التغطية الصحية والاجتماعية الشاملة في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، تحت ذريعة العمل الموسمي، يشكل إجحافاً كبيراً في حق شرائح واسعة تقدم خدمات أساسية للأمن الغذائي والوطني. ومن هنا، تأتي المطالبة المستمرة بإصلاح التشريعات الناظمة للعمل والضمان، لتكون التغطية الاجتماعية حقاً أصيلاً لكل مواطن منتج، وليست عطاءً يمنح أو يحجب وفق الأهواء السياسية.
ولا تتوقف معركة حماية القطاعات الإنتاجية عند حدود التشريع، بل تمتد لتشمل التصدّي للممارسات التي تدمر البيئة البحرية والإنتاجية. فالصيد الجائر، والتلوث الناتج عن الإهمال الإداري وتوقف محطات التكرير، والاعتداءات المتكررة على الشاطئ، كبّدت الثروة السمكية خسائر جسيمة وأضرت بمعيشة الصياد الصغير الذي يلتزم بالأنظمة والمرعيّات. إن الوقوف بوجه التلوث والاستثمار المدمّر للموارد الشاطئية يمثل في الرؤية الوطنية دفاعاً عن ملكية عامة وحماية لحق أجيال القادمة في بيئة سليمة ومصدر رزق مستدام.
وفي سياق متصل، تتجلى أزمة الواجهة البحرية وتطوير المرافئ كأنموذج جلي لتعارض المصالح بين الاستثمار العقاري الضيق وبين المصالح الاقتصادية الاجتماعية للفئات الشعبية. لقد أثبتت التجربة الميدانية في صيدا أهمية الحفاظ على المرفأ التقليدي والسوق الشعبي المعروف بـ "المسمكة أو الميرة"، ورفض محاولات إقصاء الصيادين أو تقليص مساحات عملهم لصالح مشاريع تجارية تعزل المجتمع المحلي عن بحره. هذا الموقف لا يعادي التطوير والتحديث، بل يشترط أن يكون التطوير خادماً للمجتمع المحلي ومشجعاً للإنتاج الوطني، وليس وسيلة لإزاحة الفئات الكادحة لحساب كبار المتنفذين.
أمّا على صعيد الأدوات والحلول العملية المتاحة في ظل الضائقة الماليّة الراهنة، فتطرح الرؤية الوطنية التغييرية ضرورة المزاوجة بين بناء التعاونيات الإنتاجية المستقلة وبين مواصلة النضال النقابي والميداني. إن تشكيل التعاونيات المستقلة يحقق غايات أساسية لتعزيز الصمود الذاتي:
▪︎ أولاً، تأمين مستلزمات الإنتاج من محروقات ومعدات وشباك بأسعار التكلفة وبعيداً عن جشع الاحتكارات والمضاربات التجاريّة.
▪︎ ثانياً، تنظيم عمليات البيع والتسويق بما يضمن حماية المنتج الصغير من تحكم كبار التجار ويؤمن للمستهلك أسعاراً متوازنة.
▪︎ ثالثاً، إنشاء صناديق تكافل اجتماعي داخلي تقدم الدعم للعمال وأسرهم في أوقات الأزمات والحوادث الطارئة والعواصف البحرية، كحل مرحلي يخفف من آثار غياب الرعاية الرسمية.
ومع أهمية هذه المبادرات التعاونية في تأمين مقومات الاستمرارية اليومية، يظل التشديد قائماً على عدم الانكفاء عن الفعل النقابي والسياسي. فالتعاونيات ليست بديلاً عن الدولة، ولا تهدف إلى إعفاء السلطة من مسؤولياتها القانونية والشارعية، بل هي أداة تقوية وتماسك تتيح للفئات الشعبية الثبات والمطالبة بحقوقها بصلابة أكبر. إن العمل النقابي المستقل والمحصن ضد التدخلات والمحاصصات الحزبية والطائفية يظل الحصن الأساسي لمنع قضم الممتلكات العامة، ولمواجهة الفساد البيئي والاداري، ولرفع الصوت داخل المؤسسات الدستورية وفي الشارع دفاعاً عن حقوق المواطنة الإنسانية.
إن هذه الديناميكية الميدانية لا تتكامل إلا بتوسيع أطر العمل الاجتماعي والمؤسسي الذي يستهدف حماية الفئات الأكثر هشاشة. ويتجلى ذلك في دور المراكز الصحية الشعبية والمؤسسات الاجتماعية والمبادرات التربوية التي نشأت في أحياء صيدا والمناطق المجاورة. هذه البنى المؤسسية الأهلية استطاعت في أوقات الانهيار الكارثي أن توفر خدمات الرعاية الطبية والدعم التعليمي والتكافل المحلي للفقراء، مما أعاق محاولات استغلال العوز الشعبي وتوجيهه نحو الولاءات الفئوية الضيقة. فالخدمة الصحية والتعليمية عندما تقدم بكرامة وبعيداً عن التوظيف السياسي، تصبح مدخلاً حقيقياً لتحرير إرادة المواطن وتحصين خياراته الوطنية.
وفي هذا المجرى، يحظى الشباب والجيل الجديد باهتمام خاص في رؤية القوى الوطنية والدكتور أسامة سعد. فالحد من هجرة الطاقات الشابة وتوفير أسباب بقائها وانخراطها في الشأن العام يستدعيان العمل على مسارين متوازيين: مسار المبادرات الإنتاجية الحديثة التي تتيح إدماج الكفاءات الشابة من مهندسين وتقنيين وإداريين في تطوير القطاعات التقليدية وإدارة مشاريع الطاقة والتكافل، ومسار نشر الوعي الوطني السياسي الذي يفكك الخطاب الطائفي والمذهبي. إن تبسيط المفاهيم السياسية والإصلاحية وتبيان العلاقة المباشرة بين سوء الإدارة وسرقة جنى العمر وبين تدمير الفرص الحياتية للشباب، يساعد في بناء رأي عام شبابي واِعٍ يرفض الاستزلام ويتطلع إلى بناء دولة القانون والمؤسسات.
كذلك، يبرز دور المغتربين اللبنانيين كشريك أساسي في هذا المشروع الإنقاذي. فالإغتراب اللبناني، ولا سيما أبناء الجنوب وصيدا المنتشرين في العالم، يتجاوز كونه مصدراً للتحويلات المالية الفردية، ليصبح رئة مالية وسياسية وثقافية تدعم المبادرات المستقلة والتعاونيات الإنتاجية والمؤسسات الاجتماعية. إن إشراك الطاقات الاغترابية في وضع الدراسات العلمية والحلول البديلة لأزمات الطاقة والمرافئ والخدمات، ورفد الصمود الأهلي بدعم غير مشروط، يشكلان عامل قوة يحرر المبادرات الشعبية من الضغوط المالية وارتهانات المال السياسي.
إن الربط المتين بين أوجاع المواطنين اليومية وبين المشروع السياسي التغييري هو الجوهر الذي يستند إليه الدكتور أسامة سعد في دعوته المتواصلة لبناء جبهة وطنية سياسية عريضة. فالأزمة اللبنانية في عمقها ليست مجرد تعثر مالي أو إداري، بل هي أزمة نظام طائفي قائم على المحاصصة وتوزيع المكتسبات على حساب المصلحة العامة، مما يضع البلد في حالة انكشاف دائم أمام الأزمات الاقتصادية وأمام التهديدات الخارجيّة وفي مقدمتها العدو الإسرائيلي الذي يستغل حالات الضغف والانقسام الداخلي لتمرير مخططاته وتوسيع عدوانه على الأرض والسيادة.
وفي هذا السياق، تقف الرؤية السياسية والوطنية للدكتور أسامة سعد أمام مجموعة من التحديات الجسيمة، وفي مقدمتها:
▪︎ أولاً، استمرار التحلل المؤسسي والشلل الذي يصيب إدارات الدولة والهيئات الرقابية، مما يعطل إمكانية إقرار التشريعات الإصلاحية أو تطبيق القوانين النافذة.
▪︎ ثانياً، تصاعد محاولات شد العصب الطائفي والمذهبي من قبل أطراف السلطة للالتفاف على الأزمة الاجتماعية وتشتيت الصف الشعبي والنقابي.
▪︎ ثالثاً، تفاقم الضغوط الاقتصادية والمالية على المواطنين والقطاعات الإنتاجية، في ظل ارتفاع كلفة الطاقة والمواد الأساسية وغياب الحماية الرسمية.
▪︎ رابعاً، استمرار مخاطر الاعتداءات والتهديدات التي يمثلها العدو الإسرائيلي ضد الجنوب ولبنان، وما يستوجبه ذلك من متطلبات الصمود الوطني والأمني.
ولمواجهة هذه التحديات، تتلخص الحلول المقترحة وفق هذه الرؤية الوطنية في الخطوات التالية:
■ التمسك بمشروع بناء الدولة المدنية الديمقراطية القائمة على المواطنة الكاملة وتكافؤ الفرص، كبديل عن نظام المحاصصة الطائفية، وذلك عبر إقرار قانون انتخابي نسبي خارج القيد الطائفي يعتمد الدائرة الوطنية، وتثبيت استقلالية القضاء كمدخل إلزامي للمحاسبة ومكافحة الفساد.
■ توحيد جهود القوى الوطنية واليسارية والتغييرية والنقابات المستقلة في جبهة سياسية وشعبية متماسكة، تضع برنامجاً إنقاذياً واضحاً يربط بين حماية الحقوق الاجتماعية والمعيشية وبين حماية السيادة الوطنية بوجه الأطماع والعدوان الإسرائيلي.
■ تطوير الاقتصاد الإنتاجي ودعم القطاعات الزراعية والبحرية والصناعية، عبر تفعيل الدور الحكومي في دعم المحروقات ومستلزمات الإنتاج، وتغطية جميع العمال والصيادين والمزارعين ببرامج الضمان الاجتماعي الشامل.
■ تعزيز شبكات الصمود الشعبي والذاتي من خلال بناء وتوسيع التعاونيات الإنتاجية والمؤسسات الصحية والاجتماعية الأهلية، وتأطير مشاركة الشباب والاغتراب اللبناني لضمان استقلالية القرار الوطني والاجتماعي.
إن هذا المسار المترابط، الممتد من نضالات معروف ومصطفى سعد والمستمر مع أسامة سعد، يؤكد أن النهوض بالوطن لا يتحقق بالوعود المعزولة أو الترقيعات الفوقية، بل بالعمل الميداني والنقابي الصلب المرتكز على إرادة الناس، لبناء دولة عادلة تتسع لجميع أبنائها وتصون كرامتهم وحقوقهم الوطنية والاجتماعية.