في جريدة «الجماهير»، تناول الرفيق تيسير محيسن أهمية تحويل البطولة الفردية إلى الفعل الجماعي، وهذه فكرة تستحق التوقف أمامها، ليس من باب الاختلاف معه، وإنما من باب استكمال السؤال الذي يطرحه. فخلال مسيرة الكفاح الفلسطيني التي امتدت لنحو مئة عام، قدم شعبنا نماذج لا حصر لها من البطولات الفردية والجماعية، وفي ساحات متعددة، أثبت فيها الفلسطيني شجاعته وقدرته على الصبر والصمود والتضحية. لكن الحقيقة التي ينبغي أن نعترف بها أيضاً أن الحكمة غابت، في كثير من المنعطفات والمعارك، أو لم تكن في مستوى الشجاعة التي أبداها شعبنا.
وأتفق مع تيسير في أن الشجاعة وحدها لا تكفي. لكنني أعتقد أن السؤال الأعمق الذي تطرحه تجربتنا الفلسطينية هو: كيف تتحول الشجاعة إلى فعل جماعي، والحكمة إلى استراتيجية وطنية، والتضحيات إلى تراكم سياسي لا يسمح بإهدارها؟
فالمشكلة لم تكن يوماً في افتقاد الفلسطيني للشجاعة. لقد أثبت الفلسطيني، في كل مراحل الصراع، أنه قادر على مواجهة الألم ودفع الثمن والتمسك بأرضه وحقوقه. لكن الشجاعة، مهما بلغت، تظل محدودة الأثر إذا بقيت محصورة في مبادرات فردية أو ردود أفعال متفرقة، ولم تجد إطاراً وطنياً قادراً على تنظيمها وتوظيفها وتحويلها إلى قوة سياسية ومجتمعية متراكمة.
وهنا تكمن أهمية الحكمة. فالحكمة ليست نقيض الشجاعة، وليست دعوة إلى التراجع أو الاستسلام أو التخلي عن المقاومة. الحكمة هي أن نعرف متى نواجه، وكيف نواجه، وبأي أدوات، وما الذي نريد الوصول إليه من المواجهة. وهي أن نميز بين فعل يراكم القوة الوطنية وفعل، مهما بدا بطولياً، قد يستنزفها أو يبددها.
لقد عرف تاريخنا الفلسطيني لحظات كثيرة كان فيها الاستعداد للتضحية أكبر من القدرة على إدارة نتائجها. وفي بعض المنعطفات، دفع شعبنا ثمناً باهظاً دون أن ننجح في تحويل التضحيات إلى مكاسب سياسية توازي حجمها. وهذه ليست ملاحظة على شجاعة من ضحوا، بل على أداء القوى السياسية والوطنية التي كان يفترض أن تحوّل التضحيات إلى قوة تفاوضية وسياسية وإلى إنجازات تراكمية.
وأتذكر في هذا السياق واقعة شخصية لا تزال عالقة في ذاكرتي. ففي عام 2010 زرت الجزائر للمشاركة في المؤتمر الدولي لنصرة الأسرى الفلسطينيين، وعلى هامش أعمال المؤتمر التقيت عدداً من مجاهدي جبهة التحرير الوطني الجزائرية. حدثتهم عن شعبنا، وعن مسيرة كفاحه الطويلة، وعن حجم التضحيات التي قدمها الفلسطينيون على مدى عقود. كانوا يعرفون تضحيات شعبنا ويقدرونها، لكن أحدهم قال لي عبارة بقيت في ذاكرتي: «نحن نعرف تضحياتكم ونقدرها، لكن ماذا عن الإنجازات؟»
لم تكن العبارة انتقاصاً من تضحيات الفلسطينيين، بل كانت سؤالاً قاسياً ومشروعاً في الوقت نفسه: ماذا فعلنا بهذه التضحيات؟ وإلى أي مدى نجحنا في تحويلها إلى إنجازات سياسية ووطنية؟ وهل يكفي أن يكون شعبنا شجاعاً ومضحيّاً إذا لم نستطع، في لحظات معينة، إدارة هذه التضحيات بما يحفظها ويحولها إلى تراكم يقربنا من أهدافنا؟
ولذلك، ربما نحتاج اليوم إلى تجاوز ثنائية الشجاعة والخوف إلى ثنائية أكثر أهمية: الشجاعة والحكمة، ثم إلى ما هو أبعد منهما: التنظيم والتراكم.
فالانتقال المطلوب ليس من المقاومة إلى عدم المقاومة، ولا من المواجهة إلى الاستسلام، وإنما من البطولة الفردية إلى الفعل الوطني الجماعي، ومن رد الفعل إلى المبادرة، ومن التضحية التي تنتهي بانتهاء صاحبها إلى تضحية تتحول إلى وعي وتنظيم ومؤسسة وسياسة.
وهنا أعود إلى تجربة الانتفاضة الأولى، التي أشار إليها تيسير في مقاله. أهميتها لم تكن فقط في شجاعة المواجهة، بل في أنها حولت المقاومة إلى حالة مجتمعية واسعة. شارك فيها العامل والطالب والمرأة والنقابي والمثقف والتاجر، ونشأت اللجان الشعبية والمؤسسات القاعدية، وأصبح الصمود نفسه فعلاً منظماً. عندها لم يعد الاحتلال يواجه أفراداً يمكن ملاحقتهم واحداً واحداً، وإنما مجتمعاً يمتلك قدراً من التنظيم والقدرة على إدارة حياته ومواجهة الاحتلال.
وهذا، في تقديري، هو الدرس الأهم. الشجاعة تصنع لحظة، لكن الحكمة والتنظيم يصنعان مساراً. والبطولة قد تضيء الطريق، لكن الفعل الجماعي هو الذي يجتاز الطريق.نحن لا نحتاج إلى شعب أكثر شجاعة مما هو عليه؛ فشجاعة الفلسطيني أثبتتها مئة عام من الكفاح. وشعبنا الفلسطيني، بعد هذه التجربة الطويلة، لا يحتاج إلى من يختبر جدارته بوصفه جماعة قومية، ولا إلى من يمتحن شجاعته بوصفه حركة تحرر وطني. ما يحتاجه هو أن تُحترم هذه الشجاعة وأن تُصان تضحياته، وأن يمتلك إلى جانبها ما يكفي من الحكمة السياسية والوطنية لكي يحسن توظيف قوته، ويعرف متى يواجه، وكيف يراكم، وكيف يحول تضحياته إلى إنجازات تقربه من أهدافه الوطنية.
ومن هنا، فإن الوفاء لمن ضحوا لا يكون فقط بتخليد بطولاتهم، وإنما أيضاً بالتعلم من التجربة، ومراجعة ما أخطأنا فيه، وبناء أدوات وطنية قادرة على حماية التضحيات ومنع تبديدها.
فالفلسطيني لا يحتاج إلى شجاعة أكثر، بقدر ما يحتاج إلى حكمة تليق بكل هذه الشجاعة. غزة 27-8-2026