15 ربيع الأول 1448

الموافق

السبت 29-08-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم السفير فؤاد الترك وحضارةُ السلام
السفير فؤاد الترك وحضارةُ السلام
د.مارون مخول
2026-08-29
السفير فؤاد الترك وحضارةُ السلام

إذا كانت الدبلوماسيّة في الثقافةِ تناغمٌ متكاملٌ مع التجويد الفلسفي، فقد كان السفير فؤاد الترك من أربابِ صانعيها، عندما جمعَ بين حذاقةِ الفكر متسعيناً بالبراغماتيّة التحوليّة للمظاهر الاجتماعيّة، وبالوجوديّة المنطقيّة للتهيؤات الانساينّة التي اعتمد عليها في تقييم معادن الناس وإصلاح شأن الذوق الأدبي الذي تراكم عليه غبارُ الانصياع الرقمي لسرعة الزمن.
واذا كانت دبلوماسيّتُه تنحدرُ من علّ شاهقٍ من الخلق السليم المتواضع، والتعليمِ الخيّر في خدمة الانسانيّة، فقد اقتبس من الحياةِ حكمةً استثنائيّة جادت بانفتاحها المتوهّج على مباهج المعرفة التي سلكها في تبويبِ المسالكِ الاجتماعيّة التي توّجت رقيّ مبادئِه وما يزخر به كيانه من قوى معرفيّة كفيلة لتحطيم ما رثّ من التقاليد الباليةِ والبائسة.
وقد كان ينتقد الامساك على الجيل الجديد حريّة التعبير والافصاح عن آرائهم الفعّالة، ويمقتُ القمعَ الاجباري لأنّ المدنيّة والحضارات لا تقومُ إلا بافكار الأجيال المتوافدة الحرّة،  لأنّ البناءَ الجميلَ المتناسق لا يقومُ إلّا بالفكرِ البهي.
واذا كانت السياسةُ تسدلُ الكثير من الغشاوات على الأبصار المتيقّظة، فقد سعى السفير فؤاد الترك أن يفصلَ المسارَ السياسي عن الحياة الأدبيّة التي كان يهواها، ومع أصواتٍ منفرةٍ تهدرُ وتزمجرُ في طائفيّةٍ مقيتة، تجنّب الترك خوضَ التنازلاتِ الانحيازيّةِ لأيّ فريق، وسعى لتوحيدِ الصوتِ العربي من خلالِ سفراتِه وتنقّلاتِه في مختلفِ البلدان، وتجسيدِ صورة الانسانِ الذي يتمسّكُ بلبابِ المنطق وينبذُ القشور، ويجدُ في شعر سعيد عقل الذي عشقه ملاذاً له في قدسيّةِ القصائدِ الوطنيّة التي كانت تخلبُ لبّه  وتعيده إلى أمجادِ الوطنِ المترع بقلائدِ الطمعِ من أصحابِ المراوغةِ والتصنّع، فحسنُ الصنيع بالنسبةِ له بمثابةِ التيقّظِ للضمير والتعبيرِ عن الغاياتِ المضمرة التي تتشعّبُ مذاهبها وغاياتها ولكنّها تبلغُ الغايةَ من وجودِ الانسان.
في شبابه، كان السفيرُ الترك ابن زحلة يحملُ عزيمته وإرادته مثل ثورةٍ وثورة، يضجُّ بالطموح، قرأ صدفةً في الجريدة عن امتحانٍ معلن للدخول إلى العمل الدبلوماسي، فخاضَ التجربةَ ونجحَ باستحقاق، وجابَ دول العالم وهو يؤسّسُ ويرودُ في أصقاعٍ نائيةٍ رسالةَ الثقافة، حيثُ أسّسَ للجامعةِ الثقافيّةِ اللبنانيّة في العالم. وقد سعى عندما كان يشغل منصب سفير لبنان في زيورخ سويسرا في استردادِ تماثيل اطفال اشمون حين عُرضت في أحد المعارض  بعد مرور أعوامٍ على افتقادها من مخازن قلعة جبيل. وقد صمّمَ خريطةً للنأي بلبنان عن الصراعِ القائمِ في الشرق الأوسط، وعدمِ زجّه ضمن التوازن السياسي الدولي، وعملَ على حمايةِ الاغترابِ اللبناني في الدول الأفريقيّة حيثُ قامَ بزيارةِ العديد من بلدان أفريقيا بهدف التوعية الشاملة وحثّ اللبنانيّين على إقامةِ مشاريع صناعيّة واقتصاديّة وسياحيّة تساهمُ في النموّ الاقتصادي للبنان.
وقد انكبّ على كتابةِ الدراساتِ التاريخيّةِ لإيمانِه بأنّ التاريخَ ذاكرةٌ تصونُ الحضارات من الانقراض، وتركيزِ علائقها بالانسان. وكانت له محاضراتٌ سياسيّة ومقالاتٌ وطنيّة، وكانت له بحوثٌ فلسفيّةٌ خاصّة في قراءة الشعر العربي، والانخطاف بنور طرائفه وطرائقه في مخاطبة روح الانسان، وانتقدَ ما وسعه التطرّفَ في كلّ جوانبِ الأمور، مؤمناً بالمثلِ القائل أنّ الاعتدالَ أفضلُ الخياراتِ التي تحمي المذاهبَ الأدبيّة والخطابات البيانيّة.
كان صديقاً للجميع، وعدوّاً للتفرقةِ التي تمسكُ برقابِ الناسِ بالجهلِ المقيت، فحاربَها ودعا للتوحّدِ والتعاونِ المشترك لتعميمِ فوائدِ العلمِ والمعرفةِ بين الأفراد.
خلّفَ السفير الترك إرثاً عابقاً بأنفاسِ الوطنيّةِ التي لا تُباع ولا تُشرى، والتي تشرقُ بأنفاسِها على هضابٍ من الثقافةِ الحيّة والتعمّق الديالوغي في نوازعِ النفوسِ البشريّةِ إلى الخيرِ والشر، وقد كان نبيلاً في تعاملِه واختياراته، يمجّدُ الأخلاقَ قبلَ المقامات، ويضعُ لبنانَ نصبَ عينيه أينما حلّ وارتحل، وقد كان يردّدُ هذه الجملة التي اختزلت مسيرته: "أنا عامل عند رب عمل هو لبنان"

أخبار مماثلة