15 ربيع الأول 1448

الموافق

السبت 29-08-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "حرب اليمن وشؤون البيت"!
"حرب اليمن وشؤون البيت"!
القاضي م جمال الحلو
2026-08-29
"حرب اليمن وشؤون البيت"!

يُحكى في الزمن الحالي، وعلى الرغم من صعوبات الحياة على كلّ الصعد والمستويات، وفي ظلّ المأساة التي نمرّ بها جميعًا، أنّ حوارًا بيروقراطيًّا جرى بين صديقين، للسؤال عن واقع المعيشة في البيوت، والمشكلات القائمة بين الصراخ والسكوت.

فكان السؤال الآتي من الأوّل:

يا صديقي العزيز، رغم مرور أكثر من أربعين سنة على زواجك، لم نسمع يومًا أنّك اختلفت مع زوجتك، فما هذا السرّ العجيب؟

أجاب الثاني، وبعد نفسٍ عميقٍ ما بين الزفير والشهيق:

والله يا صديقي، منذ البداية، «ومن أوّل الطريق»، اتّفقنا على توزيع الأدوار. هي تعطي رأيها في الأمور الصغيرة، وأنا أعطي رأيي في الأمور الكبيرة.

الأوّل: هلّا شرحت لي ذلك، من فضلك؟

الثاني: سأوضّح لك ذلك.

زوجتي هي التي تقرّر أين يجب أن نسكن، وتفاوض على شراء البيت، كما تقرّر في أيّ مدرسة يجب أن نضع أطفالنا. وهي التي تحدّد مع من يجب أن أتكلّم وأصادق، ومتى ينبغي أن أسهر وأتسامر، وما نوع السيّارة التي تودّ شراءها، فضلًا عن أنّها تقرّر متى أنام. وبعبارة أخرى، فإنّ كلّ هذه القصص الصغيرة هي التي تضع إطارها التنفيذيّ.

الأوّل: وأنت، متى تعطي رأيك، وفي أيّ مواضيع؟

الثاني: أنا أعطي رأيي في حرب اليمن، وما يجري في العراق، وسياسات الدول العربيّة والغربيّة، وكذلك رأيي في صفقة القرن.

صفوة القول: وكما ترى، أنا أهتمّ بكلّ الأمور الاستراتيجيّة الكبرى!

إنّه حوار طريف في ظاهره، عميق في مغزاه، يذكّرنا، إلى حدّ بعيد، بطريقة تعاطينا مع مقدّرات الأمّة، وبالآلام الجمّة التي يعانيها المواطن اللبنانيّ المسكين مع دولته الموضونة والجوهرة المكنونة.

ولعلّ المفارقة هنا أنّ الإنسان قد يطمئنّ إلى امتلاكه رأيًا في القضايا الكبرى، بينما تكون حياته اليومية تُدار عنه في التفاصيل التي تمسّ خبزه وبيته وأمنه ومستقبل أولاده. وكذلك حال الأمم؛ فما قيمة أن نكثر من الكلام في الاستراتيجيات والسياسات الكبرى، إذا عجزنا عن إدارة شؤون الناس الصغيرة التي تصنع في مجموعها حياةً كريمة أو بؤسًا مقيمًا؟

فالأوطان لا تُبنى بالشعارات وحدها، ولا تُقاس عظمتها بكثرة الحديث عن القضايا الكبرى، بل بما يلمسه المواطن في يومه: في رغيف خبزه، ومدرسته، ودوائه، وكهربائه، وأمنه، وكرامته، وفي حقّه بأن يعيش مطمئنًا في وطنه.

والعبرة أنّ من يستهين بالصغيرة، لا يملك أن يدّعي القدرة على إدارة الكبيرة؛ فالتفاصيل التي نستخفّ بها اليوم هي التي ترسم غدًا صورة الوطن كلّه. 
ولعلّ أحوج ما نحتاج إليه ليس مزيدًا من أصحاب الآراء في حروب العالم، بل أصحاب قرار يعرفون كيف يحمون بيت الوطن، قبل أن ينشغلوا بتحديد مصائر البيوت من حوله.

جنوبيات
أخبار مماثلة