26 ربيع الأول 1448

الموافق

الأربعاء 09-09-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

ثقافة وفن ومنوعات منوعات أرشيف بصري يوثّق غزة قبل الحرب وبعدها
أرشيف بصري يوثّق غزة قبل الحرب وبعدها
جنوبيات
2026-09-09
أرشيف بصري يوثّق غزة قبل الحرب وبعدها

تعمل الصحافية الفلسطينية أمل عمار على إنشاء أرشيف بصري يرصد قطاع غزة في مرحلتين متقابلتين: غزة التي كانت قبل الحرب، بما حملته من حياة وحيوية ومعالم وذكريات، وغزة التي خلّفتها الحرب بما أصاب شوارعها ومبانيها وأماكنها من دمار وتغيير جرّاء حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، في تجربة إعلامية توثيقية تعتمد على التصوير بتقنية 360 درجة والواقع الافتراضي (VR).

يقوم مشروع "العنقاء من تحت الرماد" على إعادة تصوير الأماكن نفسها التي سبق توثيقها قبل الحرب، ووضع المشاهد القديمة إلى جانب اللقطات الجديدة، لإنتاج مقارنة بصرية حية تكشف حجم التحول الذي طرأ على المكان، فالمشروع لا يكتفي بتوثيق الركام، وإنما يحاول استعادة صورة غزة التي سبقت الحرب، حتى لا تختزل المدينة في صور الدمار وحدها، بل تبقى صورتها مدينةً كانت مليئة بالحياة جزءاً من الذاكرة البصرية.

وتمنح تقنية التصوير بزاوية 360 درجة هذه التجربة بعداً مختلفاً، إذ تتيح للمشاهد في الخارج أن يرى المكان من جميع زواياه وكأنه يقف داخله، ويتنقل بصرياً بين تفاصيله، ثم يقارن بين ما كان موجوداً قبل الحرب وما أصبح عليه اليوم. وبهذه الطريقة، يتحول التوثيق من صورة ثابتة للدمار إلى تجربة بصرية تروي قصة المكان قبل الحرب وبعدها.

تشمل عملية التوثيق أماكن ومعالم كانت جزءاً من المشهد اليومي في غزة، بينها المسجد العمري والبلدة القديمة ومنطقة الرمال وساحة الجندي المجهول وميناء غزة البحري، في محاولة لرصد التغييرات التي طاولت المعالم والبنية التحتية والمساحات العامة، إلى جانب تفاصيل الحياة اليومية التي تبدلت بفعل الحرب والنزوح.

ومن بين أكثر المشاهد التي تحاول أمل استعادتها بصرياً: ميناء غزة، الذي كان متنفساً للعائلات والزوار ومكاناً مفتوحاً على البحر، قبل أن تتغير ملامحه خلال الحرب، فالمكان الذي كانت تتوسطه المنارة ويقصده الناس للجلوس والتنزه، تحول إلى مساحة للدمار ومخيمات للنزوح، بينما أصبح البحر نفسه شاهداً على آثار الحرب.

تقول أمل عمار إن فكرة "العنقاء من تحت الرماد" تقوم على توثيق غزة في حاضرها، والعودة في الوقت نفسه إلى صورها وأماكنها قبل الحرب، بهدف صناعة ذاكرة بصرية موثوقة يمكن للأجيال المقبلة الرجوع إليها. توضح لـ"العربي الجديد" أن المشروع يسعى إلى حفظ الذاكرة الجماعية للقطاع، من خلال أرشيف ميداني لا يوثق فقط حجم الدمار، وإنما يحفظ تفاصيل الأماكن كما كانت، وطبيعة الحياة التي كانت تدور فيها، وما طرأ عليها من تغيرات بعد الحرب.

وترى أن أهمية هذا النوع من التوثيق تكمن في أنه يقدم صورة أكثر اكتمالاً عن غزة، فلا تصبح الحرب هي الصورة الوحيدة التي يعرفها العالم عن المدينة، فالمقارنة بين الماضي والحاضر، وفق رؤيتها، تسمح للمشاهد بأن يدرك ما الذي فقدته غزة، وما الذي تغير فيها، وفي الوقت ذاته يتعرف إلى المكان الذي كان قائماً قبل أن تفرض الحرب واقعها الجديد.

ولا يتوقف المشروع عند المعالم والمباني، إذ توسع أمل زاوية التوثيق لتشمل الحياة التي تحاول الاستمرار وسط الدمار، عبر متابعة الأنشطة الفنية والثقافية والشعبية التي تظهر قدرة الفلسطينيين على التمسك بالحياة.

وتشمل هذه الزاوية توثيق الفنانين والفنانات والأطفال والنساء الذين يحاولون استعادة هواياتهم ومواهبهم، فهناك فنانة تواصل الرسم بريشتها رغم ما عاشته من ظروف الحرب، وعازفة عود تحاول العودة إلى الموسيقى بعد أن فقدت أدواتها، إلى جانب توثيق عروض مسرحية وفعاليات شعبية والدبكة والفلكلور الفلسطيني والأعمال اليدوية والأنشطة التي تمنح النساء والأطفال مساحة للتعبير عن أنفسهم.

وتقول عمار إن هذه المشاهد تمثل الوجه الآخر لغزة، فهي تريد أن توثق كيف يخرج الناس من تحت الرماد ويحاولون استعادة تفاصيل من حياتهم، مؤكدة أن الصمود لا يظهر فقط في القدرة على البقاء، وإنما أيضاً في استمرار الفن والموسيقى والمسرح والأنشطة الشعبية رغم كل ما خلفته الحرب.
ومن هنا جاءت تسمية المشروع بـ"العنقاء من تحت الرماد"، في محاولة للتعبير عن غزة وأهلها الذين يحاولون النهوض من بين آثار الحرب، واستعادة حياتهم ومواهبهم وذاكرتهم، رغم الخسارة والدمار والنزوح.

 

يعمل على المشروع متطوعون فلسطينيون - أميركيون مهتمون بتقنيات التصوير التفاعلي، فيما عُرضت مواد المشروع في معارض متنقلة في نيويورك وباريس واليابان، مع العمل على تقديمها في جامعات ومؤسسات أكاديمية حول العالم، بهدف منح الجمهور خارج غزة فرصة لمشاهدة المكان بصورة تفاعلية تتجاوز التغطية الإخبارية التقليدية.

تحاول أمل عمار من خلال هذه التجربة فتح نافذة بصرية على غزة، وإتاحة المجال أمام المشاهد في الخارج ليرى كيف كانت المدينة قبل الحرب، وكيف أصبحت بعدها.

لا يريد "العنقاء من تحت الرماد" تقديم غزة باعتبارها مشهداً للدمار فقط، بل باعتبارها مكاناً كان مليئاً بالحياة، وله شوارعه ومعالمه وفنونه وذاكرته وأهله. ومن خلال وضع صورة غزة قبل الحرب في مواجهة صورتها الحالية، تحاول أمل عمار أن تقول إن ما دمرته الحرب يمكن توثيقه، وما حاولت محوه من الذاكرة يمكن استعادته بالصورة، وإن غزة، رغم كل ما مرت به، لا تزال تحمل ما يكفي من الحياة لتروي حكايتها.

تكتسب التجربة بالنسبة إلى أمل عمار بعداً شخصياً أيضاً، خصوصاً أنها تواصل تنفيذ المشروع بعد استشهاد زوجها، الصحافي يحيى صبيح، الذي فقدته خلال الحرب، وتقول إنها تدرك صعوبة مواصلة الطريق بعد رحيل زوجها، لكنها ترى في عملها محاولة لحمل الرسالة التي آمن بها، والاستمرار في التوثيق بالكاميرا، كما كان يفعل هو بالكلمة والصورة.

العربي الجديد
أخبار مماثلة