من القرن العشرين إلى القرن الحادي والعشرين، وعلى مدى عقود طويلة، لم تتوقف الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب اللبناني، جوًا وبرًا وبحرًا، بين اجتياحات واحتلالات للأراضي اللبنانية، وتهجير واعتقالات ونسف للمنازل والجسور، ومختلف أشكال القتل والدمار التي طالت البشر والحجر والشجر.
المشهد لم يتغيّر كثيرًا؛ فمن مجزرة حولا عام 1948، وصولًا إلى مجزرة كفررمان في 8 أيلول 2026، مرورًا بعشرات المجازر التي ارتُكبت على أرض الجنوب، ولا سيما مجزرة قانا عام 1996 التي وقعت تحت علم الأمم المتحدة، دفع اللبنانيون أثمانًا باهظة من دمائهم وأمنهم واستقرارهم.
لقد تجاوز العدو الإسرائيلي على مدى عقود القوانين والمواثيق الدولية، مستهدفًا الأطفال والنساء والشيوخ والطواقم الطبية والصحافيين وجنود الجيش اللبناني، وكل من ينتمي إلى هذا الوطن، في ظل صمت من بعض الدول العربية وتخاذل دولي عن وضع حدّ لهذه الاعتداءات.
وفي هذا الزمن، تعود بي الذاكرة إلى مشهد غضب النازحين من منطقة صور إلى صيدا على الوفود الدبلوماسية العربية والأجنبية التي زارت سراي صيدا في الخامس من أيلول عام 1979، بدعوة من وزارة الخارجية اللبنانية، للاطلاع على أوضاع الجنوب والجنوبيين. يومها عبّر النازحون عن غضبهم ورفضهم للواقع الذي فُرض عليهم، في مشهد يبدو، بعد كل هذه السنوات، وكأن التاريخ يعيد نفسه بصور مختلفة.
عشرات الآلاف من الشهداء من أبناء الجنوب، من الأهالي والمقاومين وعناصر الجيش اللبناني، إضافة إلى شهداء المقاومة الفلسطينية قبل عام 1982، رووا أرض الجنوب بدمائهم الزكية. وستبقى الحرية والكرامة من أغلى ما يتمسك به أبناء الجنوب مهما عظمت التضحيات.
لقد أثبتت التجارب أن القوة، مهما عظم شأنها، لا تصنع استقرارًا دائمًا. فالاستقرار الحقيقي لا يُبنى بالقصف والاحتلال وفرض الأمر الواقع، بل بالحق والعدالة وإعادة الحقوق إلى أصحابها. وحدها العدالة قادرة على فتح الطريق أمام استقرار حقيقي ودائم في منطقة الشرق الأوسط.
أما الأسابيع والأشهر المقبلة، فقد تكون حاسمة في تحديد مستقبل الجنوب اللبناني، ولا سيما في ظل النقاش حول هوية ودور القوة الدولية التي يمكن أن تحلّ مكان القوات الدولية العاملة في جنوب لبنان، الموجودة منذ عام 1978 في إطار القرار 425، والتي تعزز دورها لاحقًا في ضوء القرار 1701.
اليوم تبدو جبهة الجنوب مفتوحة على احتمالات متعددة، في ظل استمرار احتلال إسرائيل لأراضٍ لبنانية، وإعلانها مواصلة اعتداءاتها وأطماعها، فيما يبقى الدم اللبناني والفلسطيني حاضرًا في الحسابات والصراعات السياسية والانتخابية لدى قادة العدو.
كل ذلك يضع الجنوب أمام مرحلة شديدة الحساسية، ويفتح الأبواب أمام مختلف السيناريوهات، في منطقة خبرت الحرب والاحتلال والمجازر طويلًا، وما زالت تنتظر عدالة قادرة على وضع حدّ لدائرة الدم المسفوك.
الجنوب النازف من العام ٤٨ إلى العام ٢٠٢٦ .. مجازر واحتلالات وأطماع صهيونية في لبنان لا تنتهي، والاستقرار ينتظر العدالة
— janobiyat news جنوبيات نيوز (@janobiyatnews) September 11, 2026
بقلم مستشار نقابة المحررين الصحافي أحمد الغربي pic.twitter.com/Y2RfDjhL03