3 ربيع الثاني 1448

الموافق

الأربعاء 16-09-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

مقالات مختارة مقالات مختارة جلسات المساءلة… محاسبة للحكومة أم ذرٌّ للرماد؟
جلسات المساءلة… محاسبة للحكومة أم ذرٌّ للرماد؟
نادين سلام
2026-09-16
جلسات المساءلة… محاسبة للحكومة أم ذرٌّ للرماد؟

تنعقد جلسات مساءلة الحكومة في مجلس النواب على مدى يومين متتاليين، في ممارسة تبدو، في ظاهرها، من صميم الحياة الديمقراطية، إذ إن مساءلة السلطة التنفيذية ومراقبة أدائها حق أصيل للمجلس النيابي وواجب لا يجوز التنازل عنه. غير أن المساءلة تفقد معناها حين تتحول من أداة للرقابة والإصلاح إلى وسيلة للكيديّة السياسية أو إلى ضغط يهدف إلى تعطيل عمل الحكومة وتشتيت الانتباه عن ملفات أكثر حساسية.

المشكلة ليست في مبدأ المساءلة، بل في استخدامها الانتقائي وتوقيتها، وفي أداء نيابي يفترض أن يكون أكثر موضوعية، وأن يعكس مصالح اللبنانيين ويحمل المسؤولية السياسية لجميع القوى من دون استثناء.

ففي وقت يمرُّ فيه لبنان بمرحلة شديدة التعقيد سياسياً وأمنياً واقتصادياً، تتحول جلسات المساءلة إلى مساحة للسجال، فيما تبقى الأسئلة الأكثر إلحاحاً معلّقة: ماذا عن الخسائر الكبيرة التي تكبّدها الجنوب؟ ماذا عن المواقع الاستراتيجية التي خسرها حزب الله خلال المواجهة؟ وماذا عن الدمار الهائل الذي خلّفه العدوان الإسرائيلي، وما زال مستمراً عبر تجريف المنازل وتفريغ القرى وتهجير سكانها؟ ومن يتحمل مسؤولية القرار الذي قاد البلاد إلى الحرب، وقرار الاستمرار فيها، والنتائج التي ترتَّبت عليها؟

المحاسبة هي أحد أعمدة الديمقراطية، لكنها لا تستقيم إلا إذا كانت عادلة وشفافة ومتوازنة وتنطبق على الجميع. أما تحويلها إلى وسيلة ابتزاز سياسي أو انتقام من خيارات الدولة، فلا يخدم الديمقراطية، بل يعطل المؤسسات ويعمّق الانقسام ويقيّد قدرة الحكومة على القيام بمهامها في هذه المرحلة الدقيقة.

ومن هنا، لا يمكن فصل التصعيد النيابي عن المسار الذي بدأت الدولة اللبنانية تسلكه لاستعادة قرار الحرب والسلم، وصولاً إلى حصر السلاح بيد الدولة. فالتفاوض المباشر الذي تمضي فيه الدولة، رغم صعوبته، بات جزءاً أساسياً من الصراع على القرار الوطني، بعدما ظل هذا القرار لسنوات موزعاً بين الدولة وقوى الأمر الواقع والارتباطات الإقليمية.

والتفاوض، كما أعلن رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، هو خيار الدولة الأول لوقف آلة الدمار الإسرائيلية، فيما وصفه رئيس الحكومة نواف سلام بأنه مسار طويل ومعقد. لكنه يبقى، في المقابل، المسار الأكثر واقعية إذا كان الهدف حماية لبنان وتثبيت سيادته وإعادة القرار الاستراتيجي إلى مؤسساته الدستورية.

وفي هذا السياق، فإن اللقاء المرتقب بين سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في واشنطن قد لا يحقق اختراقاً فورياً، لكنه يُبقي باب التفاوض مفتوحاً ويؤكد أن الدولة تحاول إدارة هذا الملف من موقعها الرسمي.

أما الرهان الآخر، فيبقى على مؤتمر دعم الجيش اللبناني في باريس، وعلى قدرة المجتمع الدولي على توفير احتياجات المؤسسة العسكرية لكي تتمكن من حماية الحدود وفرض سلطة الدولة.

وكما حذّر الكاتب والفيلسوف الإنكليزي ألدوس هكسلي من «شهية الإنسان اللانهائية إلى الإلهاء»، فإن الخطر يكمن في أن ينشغل الرأي العام بمعارك جانبية تحجب الحقائق الأساسية.

وهذه هي المسألة: ليست المشكلة في أن يسائل مجلس النواب الحكومة، بل في أن تتحول المساءلة إلى أداة لإبعاد اللبنانيين عن السؤال الأساسي، أو إلى ستار يحجب الحساب السياسي الحقيقي.

أما إغراق الجمهور في سجالات جانبية، فيما تبقى ملفات الكهرباء والودائع والأزمات المعيشية والنتائج الكارثية للخيارات السياسية السابقة من دون محاسبة، فلن يغيّر شيئاً في دفتر الحسابات. قد تؤجل المناورات المواجهة السياسية، لكنها لن تلغيها.

اللواء
أخبار مماثلة