ليس كلُّ حوارٍ نقاشًا، وليس كلُّ اختلافٍ جدالًا. وبين الاثنين مسافةٌ دقيقة، لكنّها عميقة الدلالة؛ إذ لا يتعلّق الأمر بكثرة الكلام أو ارتفاع الصوت، بل بالغاية التي من أجلها نتكلّم، وبالأخلاق التي تحكم كلامنا.
فالنقاش، في جوهره، بحثٌ عن الحقيقة، أمّا الجدال فقد يتحوّل إلى بحثٍ عن الغلبة.
في النقاش، نضع الفكرة على الطاولة، ونترك للعقل أن يفحصها، وللدليل أن يحكم فيها. لا يدخل المرء الحوار وهو يحمل يقينًا مغلقًا بأنّه على حق، بل يترك في يقينه نافذةً يدخل منها الضوء إذا ظهر له الصواب.
أمّا الجدال، حين يفقد غايته النبيلة، فيتحوّل إلى ساحةٍ للدفاع عن الموقف، ولو على حساب الحقيقة. يصبح السؤال: «كيف أنتصر؟» بدل أن يكون: «أين الصواب؟».
وهنا تبدأ المشكلة؛ إذ قد يعرف الإنسان أنّ حجّته ضعيفة، لكنه يتمسّك بها؛ لأنّ التراجع عنده هزيمة، مع أنّ الرجوع إلى الحق فضيلة، والاعتراف بالخطأ شجاعة.
النقاش الراقي لا يجعل من الاختلاف خصومةً، ولا من المخالف خصمًا. قد أختلف معك في الفكرة، لكنني لا أحتاج إلى الإساءة إليك. وقد أرفض رأيك، لكنني لا أملك حقّ إلغاء حقّك في إبدائه.
فالنضج الحقيقي أن نستطيع أن نقول: أختلف معك، دون أن أختلف مع إنسانيتك.
ومن هنا، فإنّ أعظم ما يحتاجه الحوار ليس براعة المتحدّث وحدها، بل فضيلة الاستماع. أن نسمع لنفهم، لا لنترصّد ثغرةً نردّ منها. أن نسأل قبل أن نحكم، وأن نستوضح قبل أن نتّهم، وأن نناقش الفكرة بدل أن نفتّش في صاحبها عن موضعٍ للطعن.
أمّا الجدال العقيم، فهو تلك الدائرة التي يدور فيها الكلام حول نفسه؛ تكثر الحجج وتقلّ الحكمة، وترتفع الأصوات حين تضعف البراهين، ويغدو الانتصار للذات أهمّ من الانتصار للحقيقة. وعندها لا يعود الحوار وسيلةً للوصول، بل يصبح غايةً في ذاته.
وما أحوجنا، في زمنٍ تتسارع فيه الآراء وتنتشر فيه الأحكام قبل التثبّت، إلى أن نستعيد أدب الاختلاف!
فليس كل رأي يستحق معركةً، ولا كل استفزاز يستحق جوابًا، ولا كل جدال يستحق أن نهدر عليه من أعمارنا شيئًا. بعض الصمت حكمة، وبعض الانسحاب من جدالٍ عقيم انتصارٌ للعقل، لا هروبٌ منه.
إنّ الفرق بين النقاش والجدال هو، في نهاية المطاف، الفرق بين من يطلب الحقيقة ومن يطلب الغلبة؛ بين عقلٍ مستعدّ لأن يتعلّم، وآخرَ يخشى أن يتراجع؛ بين حوارٍ يبني الجسور، وجدالٍ يرفع الجدران.
فلنختلف، نعم؛ ولكن برقيّ.
ولنتحاور، ولكن بعقولٍ مفتوحة وقلوبٍ تحفظ للآخر كرامته.
ولنجعل غايتنا من الكلام أن نقترب من الحقيقة، لا أن نبتعد عن بعضنا.
فليس أجمل الانتصارات أن تُسكت من أمامك، ولا أن تخرج من الحوار منتصرًا في نظر نفسك؛ بل أن تخرج وقد اتّسعت رؤيتك، ونضج فكرك، وبقي للإنسان الذي اختلفت معه مكانه وكرامته.
فالنقاش الذي لا يقود إلى حقيقةٍ أو فهمٍ أو تقارب، قد يكون جدالًا متنكّرًا.
والجدال الذي ينتصر فيه الجميع للحقيقة، يتحوّل إلى نقاشٍ يستحق أن يُسمّى حوارًا.
وفي زمنٍ كثرت فيه الأصوات، ربما لم نعد بحاجةٍ إلى مزيدٍ من المتكلّمين بقدر حاجتنا إلى حوارٍ أكثر نبلًا، واستماعٍ أكثر إنصافًا، وعقولٍ لا ترى في الاعتراف بالحق هزيمة.
تلك هي المسافة بين النقاش والجدال؛ مسافةٌ تبدأ من النيّة، وتمرّ عبر الأخلاق، وتنتهي عند الحقيقة.