28 ربيع الأول 1448

الموافق

الجمعة 11-09-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "جبر الخواطر"!
"جبر الخواطر"!
القاضي م جمال الحلو
2026-09-11
"جبر الخواطر"!

في زحمة الحياة، حيث تتزاحم المصالح، وتعلو حسابات الربح والخسارة، تبقى بعض اللحظات الصغيرة قادرة على أن تعيد إلينا المعنى الحقيقي للعطاء. ففي التفاصيل البسيطة التي قد لا يُلقي لها كثيرون بالًا، تختبئ القيم الكبرى التي تُقاس بها إنسانية الإنسان، وسموّ روحه.

مرّت امرأة ذات يوم بجانب طفل حزين، مكسور الخاطر، يجلس على الأرض، وقد أمسك بعودٍ صغير يرسم به خطوطًا متداخلة. استوقفها المشهد، فأشفقت عليه، واقتربت منه برفق، وسألته:

ــ ماذا تفعل يا صغيري هنا؟

رفع الطفل عينيه، وفيهما بقايا حزنٍ عميق، وقال:

ــ أرسم الجنّة... وأقسّمها إلى أجزاء.

ابتسمت المرأة لبراءته، وقالت بلطف:

ــ وهل يمكن أن آخذ قطعةً منها؟ وكم ثمنها؟

نظر إليها لحظة، ثم قال ببساطة:

ــ نعم... أحتاج عشرين درهمًا فقط.

أخرجت المرأة المبلغ وأعطته للطفل، ثم وضعت بعض الحلوى في يده، ومضت في طريقها وقلبها أخفّ مما كان.

وفي تلك الليلة، رأت في منامها أنّها تتنقّل في رحاب الجنّة، يملؤها السلام والطمأنينة.

وفي الصباح، قصّت رؤياها على زوجها، وروت له ما جرى مع الطفل. فدفعه الفضول إلى الذهاب إليه، لعلّه ينال مثل ما نالته زوجته.

وقف أمام الطفل وسأله:

ــ أريد أن أشتري قطعةً من الجنّة... فكم ثمنها؟

رفع الطفل رأسه، وقال بهدوء:

ــ لا أبيع.

تعجّب الرجل وقال:

ــ لكنّك بعت بالأمس قطعةً لزوجتي بعشرين درهمًا!

فأجابه الطفل بنبرة تحمل من الحكمة أكثر مما يحتمل عمره:

ــ لم تطلب زوجتك الجنّة بالعشرين درهمًا، بل كانت تجبر خاطري... أمّا أنت، فتطلب الجنّة فحسب. وليس للجنّة ثمنٌ محدّد، لأنّ الطريق إليها يمرّ من جبر الخواطر.

ولعلّ أجمل ما في جبر الخاطر أنّه لا يحتاج إلى ثروة، ولا إلى مكانة، ولا إلى كلمات كبيرة؛ فقد تكون ابتسامةٌ صادقة، أو كلمةٌ طيّبة، أو يدٌ تمتدّ في الوقت المناسب، كافيةً لأن تغيّر يوم إنسان، وربما تغيّر شيئًا عميقًا في حياته. فبعض القلوب لا تطلب الكثير؛ كل ما تريده أن تشعر بأنّ أحدًا رآها، وفهم وجعها، ولم يتركها وحيدةً في لحظة انكسار.

وهنا تكمن العبرة: لسنا دائمًا بحاجة إلى أن نملك الكثير حتى نعطي الكثير؛ يكفي أن نملك قلبًا يعرف متى يعطي، وكيف يعطي، ولماذا يعطي. فالعطاء الحقيقي لا يُقاس بحجم ما تخرجه اليد، بل بالأثر الذي تتركه في قلب من تلقّاه.

وهكذا، تتجلّى الحقيقة في أبسط صورها: ليست القيمة فيما نعطيه، بل في النيّة التي نحمله بها. فكم من عملٍ صغيرٍ رفع صاحبه، وكم من عطاءٍ كبيرٍ خلا من الروح فلم يبلغ غايته.

إنّ جبر الخواطر ليس فعلًا عابرًا، بل هو بابٌ خفيّ من أبواب الرحمة، لا يُفتح إلا لمن أدرك أنّ الإنسانية تسبق الحساب، وأنّ الكلمة الطيّبة قد تكون صدقة، والرحمة قد تكون نجاة، وأنّ القلب إذا صلح، سلك بصاحبه أقرب الطرق إلى الله.

فاجبروا خواطر من حولكم ما استطعتم؛ فربّ خاطرٍ جُبر في هذه الدنيا، كان سببًا في أن يُجبر الله خاطر صاحبه يوم لا ينفع مالٌ ولا جاه، ولا يبقى للإنسان إلا ما قدّم من خير.

القاضي م. جمال الحلو

أخبار مماثلة