3 ربيع الثاني 1448

الموافق

الأربعاء 16-09-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم الانتخابات بعد الإبادة وإعادة إنتاج القديم
الانتخابات بعد الإبادة وإعادة إنتاج القديم
م. تيسير محيسن
2026-09-16
الانتخابات بعد الإبادة وإعادة إنتاج القديم

دخل الفلسطينيون بعد الإبادة الجماعية في غزة مرحلة تاريخية لا تشبه ما سبقها. فالمسألة لم تعد مجرد أزمة سياسية أو انقسام داخلي أو تعثر في بناء الدولة والمؤسسات، بل أصبحت تتعلق بتهديد الوجود نفسه، وبمصير شعب تتعرض أرضه وذاكرته وموارده وحقه في تقرير مصيره لعملية تقويض متواصلة. ومع ذلك، يبدو الخطاب السياسي الفلسطيني وكأن شيئا جوهريا لم يتغير، وكأن استدعاء الأدوات والهياكل نفسها، وفي مقدمتها الانتخابات، يمكن أن يعيد إنتاج الحياة السياسية الطبيعية في واقع لم يعد طبيعيا.

الانتخابات في الظروف الراهنة ليست حلا للأزمة الفلسطينية، وقد لا تكون أكثر من علاج مسكن إذا جرى التعامل معها باعتبارها مدخلا تلقائيا لإعادة بناء الشرعية والنظام السياسي. فالانتخابات تفترض، في حدها الأدنى، وجود بيئة سياسية مستقرة نسبيا، ومجالا عاما يسمح بالتنافس والتداول، ومؤسسات قادرة على حماية النتائج وتنفيذها، وتوافقا أساسيا على قواعد اللعبة. أما الحالة الفلسطينية بعد الإبادة، وخصوصا في غزة، فهي حالة اقتلاع وتدمير وتهجير وفقدان للسيطرة على الأرض والموارد والمعابر، فضلا عن استمرار الاحتلال والقتل والتهديد بالتهجير. 

الأخطر أن الذهاب إلى الانتخابات من دون مراجعة سياسية وفكرية عميقة قد يؤدي إلى إعادة إنتاج البنية التي سبقت الكارثة وأسهمت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في الوصول إلى حالة التقويض التي يعيشها الفلسطينيون. فمنذ عام 1988، تراكمت تحولات سياسية ومؤسساتية أضعفت الحركة الوطنية، وحولت المشروع الوطني تدريجيا من مشروع تحرر إلى إدارة محدودة لشؤون السكان تحت الاحتلال، وأنتجت انقسامات وصراعات على السلطة والموارد والتمثيل، بينما تراجعت القدرة على بناء استراتيجية وطنية جامعة قادرة على الجمع بين التحرر الوطني وإدارة المجتمع.

لهذا فإن القضية ليست رفض الانتخابات من حيث المبدأ، وإنما رفض تحويلها إلى وسيلة لإغلاق النقاش قبل فتحه. الانتخابات التي تأتي قبل المراجعة والمساءلة وإعادة بناء التوافقات السياسية والاجتماعية يمكن أن تمنح شرعية جديدة لهياكل وسياسات وممارسات ساهمت في إضعاف الحالة الوطنية، وتعفي القوى التي شاركت في إنتاجها من مسؤولية المراجعة والمحاسبة. وفي مجتمعات لا تزال تعيش حالة من التفكك والتهديد الوجودي، لا تكون الانتخابات بالضرورة آلية للمحاسبة؛ فقد تصبح آلية لإعادة إنتاج القديم وإضفاء شرعية انتخابية عليه.

المرحلة الراهنة تتطلب، قبل أي شيء، تعميق عمليات الفرز والاصطفاف السياسي على أساس مقولات موضوعية تتصل بالتحرر الوطني ومقتضياته. وهذا لا يعني المزيد من الانقسام الفصائلي، بل العكس تماما. المطلوب تجاوز الاصطفافات التي نشأت حول السلطة والحصص والمواقع، والانتقال إلى تمايزات سياسية وفكرية حقيقية حول طبيعة المشروع الوطني، وشكل المجتمع الذي نريد بناءه، وموقع العدالة الاجتماعية في هذا المشروع، وكيفية إدارة الخيرات العامة، وطبيعة العقد الاجتماعي، وعلاقة السلطة بالمجتمع، وشروط ممارسة الحكم في ظل استمرار الاحتلال.

نحن في حاجة للتعلم من التجربة السابقة واجتراح مقاربة تجمع بين التحرر وإدارة شؤون المجتمع والحكم، من دون وضعهما في تعارض مصطنع. فالشعب الذي يناضل من أجل حريته يحتاج في الوقت نفسه إلى مؤسسات تحمي حياته وكرامته، وإلى تنظيم اجتماعي قادر على إدارة موارده، وإلى قيادة سياسية تستمد شرعيتها من المشاركة والمساءلة، وإلى حركات اجتماعية ونقابية ومهنية وشعبية تستطيع الدفاع عن مصالحه اليومية وربطها بقضيته الوطنية. لا يمكن أن يبقى التحرر الوطني شأنا فصائليا، كما لا يمكن اختزال السياسة في إدارة السكان وانتظار التسوية.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى مغادرة الدائرة المغلقة التي ظل الخطاب الفلسطيني يدور داخلها طوال سنوات. مفردات مثل الانقسام، وبناء الدولة، والمقاومة المسلحة، وتراجع الهيمنة الأمريكية، ومحور المقاومة، وغيرها، لم تعد تكفي وحدها لقراءة الواقع الجديد. بعضها ما زال يحمل دلالته، لكن التعامل معه باعتباره إطارا تفسيريا مكتفيا بذاته يحجب التحولات العميقة التي حدثت. نحن أمام إعادة تشكيل للصراع نفسه، ولعلاقة الفلسطينيين بالأرض والسلطة والمجتمع والعالم، ولطبيعة الأدوات التي تستخدم في إخضاعهم وإعادة تعريف قضيتهم.

وفي هذا السياق، ينبغي النظر بحذر شديد إلى المسار الدولي والإقليمي الذي يدفع باتجاه الانتخابات وإعادة ترتيب السلطة الفلسطينية. فثمة فارق كبير بين انتخابات تنبع من حاجة المجتمع إلى تجديد تمثيله وامتلاك قراره، وانتخابات يجري الدفع إليها تحت ضغط خارجي بهدف إصلاح السلطة، وطمأنة الولايات المتحدة وإسرائيل، وإنتاج شريك فلسطيني قادر على إدارة السكان في مرحلة ما بعد الحرب. الخطر هنا أن تتحول الانتخابات إلى جزء من عملية أوسع لتقويض ما تبقى من الشرعية الوطنية، خصوصا شرعية القيادة والتمثيل، واستبدالها بجماعة سكانية قابلة للإدارة من دون حقوق سياسية مكتملة، وعلى رأسها حق تقرير المصير.

ولا تنفصل هذه العملية عن التصورات المطروحة بشأن غزة، من نزع السلاح وإعادة ترتيب الإدارة والمعابر إلى إعادة الإعمار وترتيبات الحكم. المشكلة أن كثيرا من هذه المسارات تقوم على افتراض أن الضغط على الجانب الفلسطيني كاف لإنتاج واقع جديد، بينما لا يظهر في المقابل التزام إسرائيلي حقيقي بإنهاء الاحتلال أو الانسحاب أو وقف مشروع السيطرة على الأرض، كما لا يملك الوسطاء والرعاة، أو لا يريدون، وخصوصا الولايات المتحدة الأمريكية، استخدام ما يكفي من أدوات الضغط لإلزام إسرائيل بما يطلب من الفلسطينيين الالتزام به.

وهكذا يجد الفلسطيني نفسه أمام لعبة خطيرة لصناعة الوهم. يطلب منه أن ينزع السلاح، وأن يعيد بناء السلطة، وأن يخوض الانتخابات، وأن يعيد ترتيب مؤسساته، وأن يقبل بترتيبات سياسية وأمنية جديدة، مقابل وعود غير مضمونة بوقف الحرب أو فتح المعابر أو السماح بإعادة الإعمار أو استعادة بعض مظاهر الحكم. وفي الوقت نفسه يستمر الاحتلال في الاحتفاظ بأدوات القوة الحقيقية وبالقدرة على تعطيل أي مسار لا ينسجم مع مصالحه.

إن أخطر ما يمكن فعله في هذه اللحظة هو منح الشرعية السياسية لمسار لم تتوافر شروطه بعد. فلسطين لا تحتاج إلى تأجيل الديمقراطية، بل إلى إنقاذها من أن تتحول إلى غطاء لإعادة إنتاج نظام سياسي فقد كثيرا من قدرته على تمثيل شعبه وحمايته. كما أنها لا تحتاج إلى وحدة شكلية تتجاوز الخلافات قبل مناقشتها، وإنما إلى توافق جديد يُبنى عبر النقاش والمراجعة والعمل المشترك والممارسة اليومية.

وقد يكون الطريق إلى ذلك في استنهاض المجتمع نفسه. في الأحياء ومراكز الإيواء والنقابات والجامعات والبلديات والقرى والمخيمات، وفي الحراكات الاجتماعية والمبادرات الشعبية، وفي المعارك المطلبية والوطنية اليومية. هناك يمكن أن تتجدد السياسة من أسفل، وأن يستعيد الناس قدرتهم على الفعل الجماعي، وأن تتشكل تدريجيا قيادات جديدة أكثر اتصالا بالمجتمع وأقل ارتهانا بالبنى الفصائلية المغلقة.

إن إعادة بناء الشرعية الفلسطينية لا تبدأ بصندوق الاقتراع، وإنما باستعادة الإنسان الفلسطيني موقعه بوصفه صاحب الحق وصاحب القرار. والانتخابات يمكن أن تكون في نهاية هذه العملية إحدى أدوات التجديد الديمقراطي، لكنها لا تستطيع أن تحل محلها. أما إجراء انتخابات بلا مراجعة، وبلا توافقات أولية، وبلا إعادة تعريف للمشروع الوطني وشروط الحكم والتمثيل، فقد لا يكون سوى إعادة تدوير للماضي في لحظة يفترض أن يكون فيها الفلسطينيون بصدد تأسيس مستقبل مختلف.

بعد الإبادة، لا يجوز أن يكون الهدف مجرد إعادة تشغيل النظام السياسي الذي سبقها. المطلوب بناء قدرة وطنية واجتماعية جديدة على البقاء والمقاومة والحكم والمساءلة، وعلى تحويل المجتمع من موضوع للإدارة إلى طرف فاعل في صناعة مستقبله. تلك هي المهمة التأسيسية التي تسبق الانتخابات، وربما هي الشرط الحقيقي لأي انتخابات تستحق أن تسمى ديمقراطية.

جنوبيات
أخبار مماثلة