في غزة، وخلال الأسابيع الأولى التي تلت السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، كانت بلستيا العقاد تدوّن يومياتها كي لا تتحول أيام الإبادة الإسرائيلية إلى أرقام وعواجل في نشرات الأخبار، وكي لا تضيع وجوه الشهداء بين صور القصف وعناوين الصحف. كانت تحمل هاتفها في يد، ودفتر مذكراتها في الأخرى، وتحاول أن تحفظ شيئاً من الحياة وهي تتشظى من حولها. من هذه اليوميات وُلد كتابها الأول "عيون غزة... يوميات الصمود" (ترجمة عن الإنكليزية: زينب ضيا، دار هاشم، بيروت، 2026)، في شهادة شخصية تقترب من الحرب بوصفها تجربة يومية: الخوف عند الاستيقاظ، والبحث عن الطعام والماء، وانتظار خبر عن مفقود، ومحاولة العثور، وسط كل ذلك، على سبب صغير للاستمرار.
العقّاد، المولودة في غزة عام 2001، لم تكن تخطط لأن تصبح شاهدة على حرب بهذا الحجم. كانت في بداية طريقها الصحافي، وتستعدّ لبدء وظيفة جديدة في الثامن من أكتوبر 2023. لكن ما حدث في اليوم السابق بدّل مسار حياتها. وجدت نفسها في القطاع المحاصر من آلة الموت الإسرائيلية، توثّق ما تراه بهاتفها، وتنشر مقاطع قصيرة سرعان ما وصلت إلى جمهور واسع، حتى التصق بها اسم "عيون غزة".
غير أن الكتاب، الذي أطلقت نسخته العربية مساء الثاني عشر من الشهر الجاري في فضاء "فُلك" ببيروت، يذهب أبعد من تلك المقاطع. فالعقاد التي اعتادت منذ طفولتها الاحتفاظ بالدفاتر، واصلت الكتابة خلال الحرب، باعتبارها إنسانة تعيش ما تسجّله وتتأثر به. لذلك تبدو اليوميات أقل اهتماماً بتفسير الحدث من التقاط أثره في النفس: كيف يبدأ اليوم بخوف من الموت، ثم يكفي لطف طفل صغير كي يستعيد المرء شيئاً من الأمل؛ كيف يمكن للجوع والخوف أن يصيرا جزءاً من الروتين؛ وكيف يستمر الناس في البحث عن شكل من أشكال الحياة رغم أدوات القتل المحيطة بهم.
يضم "عيون غزة... يوميات الصمود" يوميات العقاد خلال الأشهر الأولى من تغطيتها الميدانية للإبادة، إلى جانب صور التقطتها في القطاع. وصدر الكتاب بداية بالإنكليزية في أستراليا ثم الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، وتصدّر قائمة "نيويورك تايمز" للكتب الأكثر مبيعاً في فئة الكتب غير الروائية في أكتوبر 2025. وقد سبقت صدوره مجموعة من الجوائز التي نالتها الشابة الفلسطينية عن تغطيتها للحرب، بينها جائزة منظمة العفو الدولية في أستراليا للمدافعين عن حقوق الإنسان، وجائزة "صحافي العام الشاب" من "وان يونغ وورلد".
تتنقل صفحات الكتاب بين المستشفيات والملاجئ والشوارع التي تغيّرت ملامحها، وبين حكايات أشخاص عاديين وجدوا أنفسهم فجأة داخل حدث يفوق قدرتهم على الاحتمال. الأم التي تنتظر ابنها، والطفل الذي يرى الطائرات الحربية بدل الغيوم، والعائلة التي تحاول أن تبقى معاً، كلها تفاصيل تمنح الحرب وجهاً بشرياً لا تختصره الخرائط ولا البيانات. اختارت العقاد أن تكتب كتابها بالإنكليزية أولاً قبل ترجمته، موجهة كلامها خصوصاً إلى القارئ الغربي الذي عرف غزة، في كثير من الأحيان، من خلال الأخبار العاجلة. في محاولة لإيصال صورة غزة خارج هذا الإطار: بأحلام أهلها وإبداعهم وخوفهم وقدرتهم على الصمود.