9 ربيع الثاني 1448

الموافق

الثلاثاء 22-09-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بين "نازا" ونازي
غازي العريضي
2026-09-22
بين "نازا" ونازي

في السادس من سبتمبر/ أيلول 2025، فاز فيلم المخرجة التونسية كوثر بن هنية "صوت هند رجب" بجائزة الأسد الفضي في مهرجان البندقية، وأثار ضجّة كبيرة بين الحاضرين الذين وقفوا تصفيقاً له 23 دقيقة، متجاوزين الرقم القياسي للتصفيق وقوفاً الذي دام 22 دقيقة لفيلم "متاهة بان" في مهرجان كان عام 2006، وفيلم "لا أرض أخرى سوى فلسطين" الذي نال جائزة أوسكار، وركّز مخرجه باسل عدرا على ما جرى في بلدة مسافر يطا التي تعرّض سكانها لتطهير عرقي وطرد منهم ألف نسمة، واستخدمت أرضهم لتدريبات عسكرية وبناء مستوطنات. يومها قال عدرا: "قبل شهرين أصبحت أباً وأمنيتي لابنتي ألا تعيش الحياة نفسها التي عشتها وأعيشها الآن، حيث الخوف الدائم من تدمير منازلنا أو الاضطرار إلى الانتقال". يومها خرج صحافي يدعى يوفال إبراهام ليدين هجوم 7 أكتوبر، ويحمّل الولايات المتحدة المسؤولية، ويدعو إلى دولة واحدة يتساوى فيها الجميع، ويُوضع حد للنظام الاستعماري الإسرائيلي.

وقف قبل أيام يوفال وزميلته راشيل زور على منصة التتويج، وتسلّما جائزة استثنائية في مشهد استثنائي. مخرجا فيلم "نازا" نالا تصفيقاً وقوفاً 25 دقيقة على إنجازهما، وكسرا حدّ التصفيق الأعلى لـ"صوت هند رجب". ونازا مصطلح يستخدمه أساساً الجيش الإسرائيلي لتحديد عدد المدنيين الممكن قتلهم بعدوان جوي على الفلسطينيين، واستخدم عنواناً لفيلم يشرح معاناة الفلسطينيين والتفنّن بقتلهم بكل الوسائل. المواد التي استخدمت فيه شهادات حيّة لعسكريين وضباط بعضهم في أجهزة يقومون بعمليات سرية خاصة أفرغوا ما لديهم. كان التصوير رحلة شاقة حاول المخرجان توخّي الدقة والحذر، لكن ما شجعهما إصرار اصحاب الشهادات على الإدلاء بها صورةً وصوتاً.

بعد نيله وزميلته زور الجائزة قال: "ليس الوقوف على المسرح سهلاً. هناك شهادات في الفيلم عن سياسة الجيش باستهداف مدنيين وتصنيفهم كأضرار جانبية! خلال تنفيذ عمليات اغتيال، وقوع أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين كان يؤخذ ضمن حسابات عمليات الاستهداف، وليس مجرد نتيجة غير متوقعة للغارات. جرت في إحدى الحالات الموافقة على مستوى من الخسائر المحتملة يصل إلى 500 مدني من أجل استهداف عنصر واحد من حركة حماس. عندما أراد الجيش استهداف شخص معيّن كان يقتل جميع من في المبنى. لدينا شهادات توثّق مئات الهجمات المماثلة". أليس هذا ما أكده ترامب بانفعال عندما طلب من نتانياهو عدم استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت، منتقداً قتل العشرات وهدم الأبنية عند استهداف شخص محدّد؟

أضاف إبراهام: "لدينا شهادة جندي تفيد بتعقّبه وسماعه بكاء الأطفال وحديث العائلات في بعض المباني التي كانت تستهدف في غزّة. من المهم جداً طرح مسألة سياسة الأضرار الجانبية للرأي العام، وعرض الفيلم داخل إسرائيل على نطاق واسع. أخشى من عدم القدرة على العودة إلى إسرائيل بسبب ما أتعرّض له من هجوم. سياسيون وصحافيون إسرائيليون يهاجمون الفيلم من دون أن يشاهدوه. وكل شيء يُفعل كي لا يُنظر إلى الواقع. من افتتاح المهرجان حتى اليوم (توزيع الجوائز) قتلت إسرائيل ستة أطفال منهم طفلة في الثالثة أصابتها قنبلة في مدرسة. كان الأمر خطة مبيتة وسياسة قائمة على تجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم".

شكّل ما قاله سبباً من الأسباب الموجبة لتنفيذ الفيلم على مدى ثلاث سنوات. جلس وزور يصغيان في الظلام إلى جنود وضبّاط شاركوا في الإبادة. الشهود وجوههم مموّهة وأصواتهم محرّفة يتوزّعون بين من يعترف بلا أدنى تردّد بأن العملية كانت ممتعة بجنون وآخرين قالوا: "كنّا ننفذ الأوامر". ولكن الكل قال ما عنده. كشف حقيقة ما يجري وهذا ما أثار الطبقة السياسية الإسرائيلية برمّتها وإعلاميين، وما جعل إبراهام يقلق على عودته، وكان قلقه في محلّه.

كيف يتجرأ هذا "المواطن" على فعل ما فعل؟ كيف ينتج فيلماً يكشف "ضباط الاستخبارات الذين تحدثوا واصفين عمليات القتل الواسعة بأنها نتيجة منظومة وسياسات وليست مجرد حوادث عرضية"، كما قال، مشدّداً، في الوقت نفسه، على "أن الصحافيين الفلسطينيين وثّقوا منذ بداية الحرب جزءاً كبيراً مما حدث في غزّة".

حالة من الهستيريا عمّت إسرائيل. دعا الجيش إلى اجتماع طارئ. شهادات ضباط الوحدة 8200 بشأن القتل الممنهج واستهداف المدنيين "أمر خطير". طلب رئيس الأركان إيال زامير "فتح تحقيق داخلي والذهاب إلى القضاء". غادي إيزنكوت منافس نتانياهو على رئاسة الحكومة قال: "الفيلم صورة مشوّهة للأخلاق. لدى مُخرجَيه عمى أخلاقي". عوفر فينتر رئيس حزب شعب إسرائيل: "يوفال إبراهام يجب ألا يعود إلى إسرائيل". وزير الثقافة ميكي زوهار: "يجب سحب الجنسية من المخرجَين اللذين سعيا إلى الإضرار بوطنهما من أجل الحصول على التصفيق والاعتراف في الخارج". ولماذا صفق الحضور؟ وهل المحكّمون والحاضرون جهلة؟ ماذا لو منحت الجائزة لفيلم يمجّد الإرهاب الإسرائيلي، ألا ينظر زوهار وغيره إليهم مدافعين عن العدالة والحقيقة ويقفون ضد أعداء السامية؟ طالب هذا قوات الأمن بالتحرّي وراء فيلم "نازا" فوراً. المعلومات التي سيجري الحصول عليها تثبت ارتكاب أعمال خيانة من المشاركين في الفيلم أو من خلال الأكاذيب التي تلقاها صنّاعه من "حماس"!

هذا إفلاس وهروب إلى الأمام من الحقيقة الجارحة الصادمة والضجة العالمية التي لم تهدأ بعد. يذهب من لم ير الفيلم إلى مشاهدته بسبب هذه المواقف. لقد باتت الحقيقة في متناول الجميع، ولا يستطيع أحد كسرها. في حالاتٍ أقل تأثيراً، اعترفت إسرائيل ولجنة الشؤون العامة الإسرائيلية الأميركية (إيباك) بأنهم خسروا معركة الوعي، فكيف أمام الشهادات الحية الواردة في الفيلم؟ الذهول؟ الهستيريا؟ ردات فعل طبيعية جداً، لكن هذا سيؤدي إلى مزيد من الإنتاج والإدانة لما ترتكبه إسرائيل. كأن هؤلاء المسؤولين المعلِّقين، المعَلَّقين على حبال الإدانة والسمعة السيئة في كل العالم، في ملاعبه الرياضية ومسارح حفلاته الفنية والمظاهرات في الشوارع لا يرون ما يجري مما له بالغ الدلالات والأثر والأهمية، والمستمر تفاعله، ولن يتوقف، نظراً إلى صدمة العالم كله، وفي مقدمته أصدقاء إسرائيل في أميركا وغيرها من حجم الكارثة، وإصرار جيش الاحتلال على ارتكاب الإبادة الجماعية بأساليب مختلفة، وحماية "الإرهاب اليهودي" ضد المدنيين في فلسطين ولبنان، مما جعل إسرائيل "دولة منبوذة" و"سيئة السمعة" و"عدوة الأخلاق والإنسانية".

قال رئيس حكومة الاحتلال إنّ منتجي فيلم "نازا" سيدفعون ثمن تشويه الجيش الإسرائيلي. شعرنا جميعاً بالصدمة إزاء ثلاث حالات تسبّبت في أضرار جسيمة جداً لدولة إسرائيل، وألحقت ضرراً بالغاً بالجنود. تصريح يائير غولان إنهم جنود يقتلون الأطفال الرضّع كهواية. وإخراج المدّعية العسكرية العامة مقطع فيديو زائفاً صوّر الجنود مغتصبين. وفيلم "نازا" الذي صوّر ضباط الجيش وجنوده مجرمي حرب. لقد حان الوقت للتعامل مع هذا الأمر. سأطرح قانونين حكوميين: سحب الجنسية من كل من يشوّه سمعة جنود الجيش، وضرب هؤلاء في جيوبهم ورفع قيمة التعويضات التي يمكن مقاضاتهم بها في قضايا التشهير إلى 20 ضعفاً. سنضربهم في جيوبهم وجنسيّتهم لأنّ مكانهم ليس بيننا. أتوقع من كل كتل الكنيست التي تقول إنها تدعم الفكر الصهيوني أن تصوت للقانونين".

يريد هذا الرجل المهووس بالسلطة والدم والقتل استغلال ما جرى مع خصومه في الانتخابات، وتصفية حساب مع المدّعية العسكرية التي لم تلبِّ طلباته، وتصدر قرارات وفق رغباته ويدّعي تزوير الشهادات. لم يصوّر إبراهام وزور الجنود والضباط على غير حقيقتهم. اعترف هؤلاء بالحقيقة وقدّموا شهاداتهم، لكن نتنياهو وأمثاله أعداء الحقيقة ومغتصبوها. وفي المقلب الآخر، خرج رئيس الوزراء السابق، نفتالي بينيت، ليقول ما هو أبعد مما قاله الآخرون: "فيلم نازا يربط إسرائيل بالنازية. هذا مقزّز جداً، لأنه يثير ارتباطه بكلمة نازي. كان بإمكانهم تسميته مثلاً أضراراً جانبية. كان ذلك مقصوداً".

كل من ينتقد إسرائيل أو يكشف حقيقتها يكون معادياً للسامية "ونازياً"، والخطورة أن يكون إسرائيلياً كما قال نتنياهو في تعليقه على ما فعله إبراهام وزور.

هستيريا مفتوحة في إسرائيل ومن يفضح أسرار "النازا" وخفاياها يربط إسرائيل بـ"النازي". والعرب كلٌّ يغني على ليلاه؛ حروب وخراب ودمار وابتزاز أميركي مفتوح. ما فعله المخرجان وما قدّمه الجنود والضباط من شهادات أصاب إسرائيل في الصميم. ما المانع من مواكبة شباب الدول وبعض حكوماتها في تحرّكاتهم ومواقفهم والتركيز على الأقل على الجانب الثقافي في مواجهة إسرائيل سوى الإصرار على البقاء في أسر التفكير بأنّ المشكلة ليست معها، بل هي بين العرب والغرق في حروبهم المفتوحة.

نحن أمام لحظة سياسية عالمية مهمّة ينبغي التقاطها والبناء عليها لمقاضاة إسرائيل وفضحها. سبقَنا العالم، بل للأسف سبقَنا إسرائيليون في مجالات مختلفة في إدانة دولتهم وجرائمها وحرب الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين وأساليبها. بالأمس 23 دقيقة وقوفاً تصفيقاً لفيلم "صوت هند رجب"، كل يوم تقريباً مئات ألوف في الملاعب والشوارع وعلى المسارح وقوفاً تصفيقاً لـ"فلسطين حرّة". اليوم 25 دقيقة وقوفاً تصفيقاً لفيلم "نازا". كلما تمادت إسرائيل سيزداد عدد الواقفين المصفّقين لفلسطين الهاتفين لحرّيتها.

العربي الجديد
أخبار مماثلة