9 ربيع الثاني 1448

الموافق

الثلاثاء 22-09-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

ثقافة وفن ومنوعات ثقافة هل العبقرية الأكثر هدوءاً تكمن في هندسة الفراغ؟
هل العبقرية الأكثر هدوءاً تكمن في هندسة الفراغ؟
2026-09-22
هل العبقرية الأكثر هدوءاً تكمن في هندسة الفراغ؟

ينشأ صراع بصري بين فعلين متعاكسين من اليد التي ترتفع لكي تحمل، والقذيفة تهبط لكي تهدم. وبين الاتجاهين تتشكل فلسفة اللوحة عند الفنان Sliman Mansour(سليمان منصور) فالصاعد إنساني، والهابط عسكري، وبينهما فضاء معلّق هو فضاء التاريخ والسياسة والخوف. إذ لا تبدو الأجسام الساقطة مجرد أسلحة مرسومة، بل تتحول إلى علامات هندسية لسلطة تأتي من الأعلى، مجهولة الوجه، بلا جسد بشري يمكن مساءلته. في المقابل، الأطفال هم الجسد الذي يدفع الثمن. وهذا التناقض يمنح اللوحة قوتها السياسية من غير أن يحوّلها إلى منشور دعائي مباشر. إذ يضع سليمان منصور أمام العين معادلة قاسية وهي من يملك السماء يستطيع أن يفرض شكل الأرض، ومن لا يملك إلا يديه يحاول أن يصنع من الفراغ وسيلة للبقاء.

يُشكل اللون في لوحات سليمان منصورالبنية النفسية التي تحمل المعنى السياسي. إذ يبدأ المجال اللوني من الأزرق في الأعلى، ثم ينحدر تدريجياً نحو البنفسجي والوردي، قبل أن يصل إلى الأحمر والبرتقالي في الأسفل. كأن السماء نفسها تمر بعملية احتراق بطيئة، مما يرفع منسوب التوتر كلما اقتربت العين من الخراب. وفي المقابل، تأتي الأجساد بألوان ترابية وخضراء ورمادية، فتبدو كأنها خرجت من الأرض نفسها. هذه العلاقة بين السماء الملونة والأرض المحترقة تجعل اللوحة أقرب إلى مقياس حراري للواقع السياسي.إذ كلما هبطنا بصرياً، ارتفعت حرارة المأساة.فهل العبقرية الأكثر هدوءاً تكمن في هندسة الفراغ؟

إن الخطوط الرأسية الطويلة التي ترافق القذائف تقطع السماء مثل محاور هندسية، وتمنح الحركة اتجاهاً واحداً، من الأعلى إلى الأسفل. إنها هندسة السقوط. في مقابلها، ترتفع أذرع الأطفال في اتجاه معاكس، فتتشكل شبكة من الخطوط المتقاطعة وهي عمودية في القذائف، وعمودية في الأذرع، وأفقية ودائرية في الأوعية. فنحن لا نرى مجرد مجموعة أشخاص وأسلحة، بل نرى نظاماً هندسياً للصراع ،فالقذيفة تسقط لأنها محكومة بالجاذبية، واليد ترتفع لأنها محكومة بالإرادة. بهذا تصبح الرياضيات الخفية في الصورة فلسفة سياسية، فالقوة تتحرك من أعلى إلى أسفل، أما الإنسان فيحاول أن يعكس اتجاه العالم بيديه.

إن الدوائر التي تصنعها الأوعية تحمل وظيفة بصرية وفكرية بالغة الأهمية. وسط عالم مليء بالأشكال الحادة والمكسّرة، تظهر الصحون والأطباق كأشكال دائرية، والدائرة في تاريخ الفن هي صورة للاكتمال والاستمرار والاحتواء. لكن المفارقة أن هذه الدوائر ليست ممتلئة، إنها أوعية فارغة مرفوعة إلى السماء. يتحول الشكل إذن من رمز الوفرة إلى رمز الحاجة. والفراغ داخل الوعاء يصبح أكثر بلاغة من أي طعام يمكن أن يوضع فيه. إنه فراغ مادي، لكنه في الوقت نفسه فراغ سياسي: غياب الأمن، وغياب الغذاء، وغياب المستقبل. ومع ذلك لا تبدو الأوعية مستسلمة، رفعها إلى الأعلى يحولها من أدوات منزلية إلى أدوات احتجاج صامت. فالطفل لا يملك بندقية، لكنه يملك دائرة، لا يملك خطاباً سياسياً، لكنه يملك إناءً فارغاً يستطيع أن يجعل العالم يرى ما ينقصه.

أن العين التي تتعمق في لوحة سليمان منصور تثبت ما يريد العنف أن يمحوه. كما أن وضع الطفل في مركز التكوين لا يعني أنه مركز القوة، بل مركز الضعف الذي يكشف القوة من حوله. ومن الناحية الهندسية، تتوزع الأجساد في طبقات متدرجة، فتتكون بنية هرمية بشرية، لكن هذه الهرمية ليست هرم السلطة، إنها هرم الضحايا. كل جسد يسند المشهد، وكل ذراع تكمل خطًا بصريًا يقود العين إلى السماء. أما في أسفل اللوحة، تظهر الأنقاض باعتبارها الضفة المادية لكل ما يحدث في الأعلى. إذ تتغير لغة الشكل من العضوي إلى المتكسر: كتل صخرية، زوايا حادة، مبانٍ مهدمة، خطوط متعرجة وأسلاك أو بقايا بنى عمرانية. إذا كانت القذائف في الأعلى تمتلك شكلًا منتظماً ومصنّعاً، فإن الخراب في الأسفل يأخذ شكل الفوضى. فهل الحرب الحديثة تبدأ من هندسة دقيقة وتنتهي بفوضى هندسية. السلاح منتظم، والدمار غير منتظم. القذيفة لها محور، وهدف، ومسار، أما حياة الإنسان بعد سقوطها فلا محور لها. فهل لوحة سليمان منصور هي انتقال من هندسة السيطرة إلى هندسة الخراب. وما بينهما يقف الإنسان محاولًا أن يعيد بناء شكل العالم من جديد؟

تستبدل لوحة سليمان منصورالخطاب السياسي بنتائجه المرئية. وهذه نقطة مهمة في الفن السياسي الأكثر قوة ليس بالضرورة الذي يرفع شعاره بأعلى صوت، بل الذي يجعل المتلقي يكتشف السياسة داخل تفاصيل الحياة اليومية. وعاء فارغ يصبح سياسة، طفل يصبح سياسة، سقف مهدوم يصبح سياسة، وحتى الفراغ بين القنبلة واليد يصبح سياسة. لكن لا ينبغي اختزال العمل في قضية سياسية واحدة لأنه يضيّق أفقه الجمالي. فكم يحتاج الإنسان من الإرادة كي يعكس اتجاه السقوط؟ بهذا يتحول الرسم من صورة عن الحرب إلى تأمل في الجاذبية السياسية نفسها، جاذبية تجعل القوي يهبط بالقوة، وتجعل الضعيف يرفع يديه لكي يبقى إنساناً.

اللواء
أخبار مماثلة