تحوّلت الخيام التي كان يفترض أن تكون مأوى مؤقتاً لأسابيع أو أشهر في غزة بالنسبة إلى عائلات كثيرة إلى منازل دائمة. ومع طول فترة استخدامها تآكلت الأقمشة وتشققت الأغطية وفقدت الخيام قدرتها على مقاومة الأمطار والرياح، وهو ما سيتكرر هذا الشتاء خصوصاً أن القدرة على استبدالها محدودة في ظل حصار إسرائيلي مشدد.
لا يأتي الشتاء في غزة هذا العام بصفته فصلاً جديداً بل يمثّل اختباراً قاسياً لعائلات أنهكتها سنوات الحرب والنزوح. ومع اقتراب موسم الأمطار يعود القلق إلى آلاف الأسر التي تعيش في خيام ومراكز إيواء مؤقتة غير قادرة على توفير الحد الأدنى من الحماية، وتبحث عن خيام جديدة وشوادر تحمي ما تبقى من حياتها من المطر والبرد. ولا تنحصر المشكلة في السكن فقط، فالمطر في غزة قد يعني غرق الخيام وتلف الأغطية والأمتعة واختلاط مياه الصرف الصحي بالأمطار وتحوّل محيط أماكن النزوح إلى بيئة أكثر خطورة على الصحة. وبينما تستعد العائلات للشتاء بما يتوفر، تحذر منظمات إنسانية من أن فجوة الاحتياجات أكبر بكثير من قدرة الاستجابة الحالية.
من شمال غزة إلى منطقة الزوايدة وسط القطاع، حمل الفلسطيني محمود نوفل ما استطاع من أغراض واستقر مع عائلته في خيمة كانت في الأصل حلاً مؤقتاً، ثم باتت مأوى أنهكه الاستخدام الطويل. ويخشى نوفل أن تتحوّل الخيمة مع أول موجة أمطار إلى مصدر جديد للمعاناة بدلاً من أن تكون وسيلة حماية. ويقول: "حصلت على الخيمة التي أعيش فيها قبل أكثر من عامين ولم تعد في حالتها الأولى. اهترأ القماش وباتت أجزاء محدودة منها قادرة على حجب المياه. نحتاج إلى خيمة جديدة تستطيع مواجهة موسم الشتاء، لكن إمكاناتنا المادية لا تسمح بذلك". يضيف: "أكثر ما يقلقني الآن هو وصول الأمطار قبل أن أستطيع تأمين مأوى بديل، وأبحث عن خيمة تحفظ لعائلتي الحد الأدنى من الأمان وتمنع مياه الأمطار من الوصول إلى الأطفال والأمتعة وما تبقى لنا من مقتنيات".
وبحسب أحدث تقييم لقطاع المأوى في غزة، يحتاج نحو 1.98 مليون من سكان القطاع إلى مساعدات في مجال المأوى والمواد المنزلية الأساسية، في وقت يعيش نحو ثلثي الأسر في خيام أو ملاجئ مؤقتة في ظل الاعتماد المتزايد على مواد مؤقتة ومستصلحة لتأمين الحد الأدنى من الحماية والسكن. واستند التقييم الذي أجراه المجلس النروجي للاجئين، إلى نحو 1951 مقابلة مع أسر بين 14 و28 يونيو/ حزيران الماضي، وأظهر أن أزمة المأوى لا تتعلّق فقط بعدد الخيام المتاحة، بل بقدرتها على توفير ظروف معيشية آمنة وملائمة، إذ صُنفت ظروف أكثر من أربع من كل خمس أسر بأنها "حرجة أو كارثية".
في وقت يعيش فيه كرم أبو عون داخل منزل العائلة الذي لحق به دمار كبير قرب الخط الأصفر وسقطت أجزاء من جدرانه بسبب القصف في مخيم جباليا شمال غزة، فهو يبحث عن شوادر كي يضعها مكان الجدران المنهارة. يقول: "تدبرنا أمورنا خلال الصيف عبر وضع أقمشة مكان الجدران التي سقطت رغم أن الحرارة كانت مرتفعة جداً، لكن هذا الحل غير ممكن في الشتاء لأن الأقمشة لا تمنع الأمطار والبرد، ويحتاج المنزل إلى أربعة شوادر لتغطية أجزائه المفتوحة.
ويشير إلى أن سعر الشادر الواحد يبلغ نحو 170 شيكلاً (الدولار يساوي 3.02 شواكل)، ما يعني أن تأمين أربعة شوادر يحتاج إلى نحو 680 شيكلاً، وهذا مبلغ كبير بالنسبة إلى عائلة تحاول تدبير احتياجاتها الأساسية. ومع اقتراب فصل الشتاء لا تقتصر المخاوف على غرق الخيام أو تضرر المساكن المؤقتة، فالمياه الملوثة والصرف الصحي والنفايات يمكن أن تتحوّل مع هطول الأمطار إلى تهديد صحي مباشر للسكان الذين يعيشون في ظروف اكتظاظ شديد. وحذرت منظمة الصحة العالمية في الأول من سبتمبر/ أيلول الجاري من تفاقم المخاطر الصحية في غزة مع اقتراب موسم الأمطار والشتاء، وقالت ممثلتها في الأراضي الفلسطينية المحتلة، رينهيلد فان دي فيردت، إن "أكثر من 6700 عينة مياه فُحصت بين يناير/ كانون الثاني وأغسطس/ آب الماضيين أظهرت إن نسبة التلوث الميكروبيولوجي ارتفعت من أقل من 6% في يناير إلى أكثر من 18% في أغسطس، أي أنها زادت ثلاثة أضعاف".
وبالتزامن مع ذلك ارتفعت حالات الإسهال المائي الحاد من نحو 27 ألفاً في مارس/ آذار الماضي إلى أكثر من 48 ألفاً في أغسطس، بحسب ما أفادت منظمة الصحة العالمية التي حذرت أيضاً من أن "مياه الصرف الصحي والنفايات والمياه الملوثة قد تنتشر مع الأمطار إلى الأماكن التي ينام فيها الناس ويعدون فيها الطعام ويعتنون بأطفالهم، أما المياه الراكدة فقد توفر بيئة لتكاثر الحشرات والبعوض، كما قد تصبح الخيام الرطبة والمغمورة أرضاً مناسبة للعفن والبكتيريا".
إلى ذلك، يمثل اقتراب الشتاء بالنسبة إلى محمود بدر الذي نزح من مشروع بيت لاهيا إلى مواصي خانيونس، ويعيش في منطقة منخفضة تتجمع فيها مياه الأمطار، بداية مرحلة جديدة من الخوف من الغرق بعدما عانت عائلته خلال الموسم الماضي من تجمّع المياه داخل محيط الخيمة. يقول: "أصبح موسم الأمطار كابوساً لعائلتي لأن كل ليلة ممطرة تتحوّل إلى ساعات ترقب. وبدلاً من النوم نستمر في مراقبة الخيمة خوفاً من أن تتسرب إليها المياه أو تغمرها في وقت لا نملك وسيلة تضمن لنا الانتقال إلى مكان أكثر أماناً". ويوضح أنه حاول البحث عن مكان آخر كي تنتقل إليه العائلة، لكنه لم ينجح لأن الخيارات المتاحة محدودة، لذا يبقى أمامه انتظار الشتاء داخل المنطقة نفسها ومحاولة حماية الخيمة بما يتوفر من إمكانات، رغم أنه يعرف أن ذلك قد لا يكفي.
وتكشف نتائج تقييم قطاع المأوى حجم الفجوة بين الاحتياجات والاستجابة، إذ وجدت أن نحو 54% من الأسر التي شملها المسح تقيم في خيام، وأن 11% منها تعيش في منشآت مؤقتة أو مرتجلة، أي أن نحو 65% من الأسر التي شملها التقييم تعتمد على الخيام أو مراكز الإيواء المؤقتة. كما نقلت تقارير تستند إلى تقييم قطاع المأوى أن 54% من الخيام والمآوي المؤقتة التي جرى تقييمها كانت في حالة سيئة أو سيئة جداً، وأن أكثر من 106 آلاف أسرة كانت تعيش في منشآت مؤقتة اعتُبرت مخاطرها جسيمة على الصحة أو السلامة أو الكرامة.
في منطقة الفالوجا شمال غزة، عادت منار نظمي إلى منزلها المدمّر جزئياً، وحاولت أن تجد فيه مكاناً أكثر ثباتاً من الخيام، لكنه لم يعد كما كان إذ تضرر سقفه بفعل القصف وأصبحت الأمطار قادرة على الدخول إليه من أكثر من جهة. تقول منار التي تعيل خمسة أطفال بعدما فقدت زوجها خلال الحرب: "أكثر ما يرهقني مع اقتراب الشتاء هو أنني لا أملك الشوادر اللازمة لتغطية الأجزاء المتضررة من المنزل. وكلما هطلت الأمطار تجد المياه طريقها إلى الداخل، بينما لا أملك المال الكافي لتأمين ما يلزم لسد الفتحات". تتابع: "موسم الأمطار كابوس يلاحقني لأنني مسؤولة عن خمسة أطفال لا أعرف كيف أحميهم من البرد والمياه".
وهكذا تبدو أزمة المأوى اليوم في غزة أبعد من مجرد نقص في الخيام، فالعائلات التي تعيش في خيام منذ سنوات تحتاج إلى استبدالها، وتلك التي عادت إلى منازل مدمّرة تحتاج إلى شوادر ومواد لإغلاق الجدران والأسقف المفتوحة، بينما تواجه الاستجابة الإنسانية نقصاً في التمويل والمواد المطلوبة وإغلاق المعابر.
ومع اقتراب موسم الأمطار تتداخل أزمات السكن والمياه والصرف الصحي والصحة في دائرة واحدة. خيمة مهترئة تعني تسرّب المياه، ومياه متجمّعة قد تعني تلوثاً وأمراضاً، ومنازل بلا أسقف تعني أن المطر يدخل مباشرة إلى مكان نوم الأطفال. وفي هذه الظروف يصبح الشادر أو الخيمة الجديدة الفارق بين مأوى يستطيع الصمود أمام الشتاء وآخر قد يتحوّل مع أول عاصفة إلى مصدر إضافي للخطر.