18 ربيع الثاني 1448

الموافق

الخميس 01-10-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

مقالات مختارة مقالات مختارة بين تأثير "الضغوطات الخارجية وإخفاق الحلول الداخلية": من يصنع القرار في لبنان؟
بين تأثير "الضغوطات الخارجية وإخفاق الحلول الداخلية": من يصنع القرار في لبنان؟
وفاء بيضون
2026-10-01
بين تأثير "الضغوطات الخارجية وإخفاق الحلول الداخلية": من يصنع القرار في لبنان؟

ثمة رؤية يستند إليها أركان السلطة اللبنانية في مسار استعادة قرار الدولة، وإخراج لبنان من وصاية القرار إلى «صنع القرار في لبنان». ففي ظل ما تشهده المنطقة من توزيع للأدوار وتموضعات تفرزها التطورات الميدانية والسياسية، يقف لبنان على عتبة المتغيرات، في ورشة أشبه بجردة حساب تقوم على ميزان الربح والخسارة، خلال مرحلة كانت الدولة فيها ولا تزال ترزح تحت وطأة وصايات وخرائط لا طائل لها على أي قرار لبناني.

بعد حرب أكتوبر، أو ما عُرف بمرحلة «الإسناد» عام 2023، وما تلاها من تداعيات على المستويين العسكري والسياسي، برزت ملامح محاكاة لمرحلة جديدة، لم يعد فيها اللاعبون أنفسهم، ولا حتى النافذون في القرار الداخلي. انتخابات رئاسية، ومن ثم قرارات حكومية أُعدّت بصيغة المعجّل المكرّر، لبدء عدّ عكسي نحو صناعة مستقبل يراه كل طرف من زاوية مختلفة.

فبين القرار الرسمي وحسابات السلاح والحدود والتمويل والضغوط الدولية، يبدو السؤال عن القرار اللبناني أكبر من اسم الجهة التي تملك مقادير خلطة السلطة، المتمازجة بألوان انتماءات وولاءات مختلفة في الشكل، ومتناقضة في المضمون.

من هنا تبدأ الأسئلة:

في دولة يُفترض أن تعرف من يقرر فيها، ومع اختلاف الرؤية في تجميع نسيجها السياسي القائم على «ديمقراطية الإطار»، فإن شكل التركيبة السياسية يعكس، في وظيفته، حجم الاستئثار الخارجي الذي يشكل اللاعب الظل على خشبة المسرح اللبناني.

نعم، قد تختلف الأحزاب وتتبدل الحكومات، لكن يبقى هناك عنوان واحد هو الدولة. وهنا يتكرر السؤال مجدداً: أي دولة؟ وأي مواطنة باتت ممزقة بشكل كبير، ومتناثرة في كل اتجاهات التبعية والانتماء، شرقاً وغرباً؟

مصادر مطلعة تقول: «إن البحث عن اسم أو حزب أو دولة خارجية يمتلك القرار اللبناني ليس هو المهم، بل الأهم هو إمكانية فهم واقع أكثر إلحاحاً في تركيبة داخلية شرّعت نوافذها للخارج، وسلّمت مقدراتها لتوجيهات أشبه بأمر اليوم. فمن المفترض أن أي قرار رسمي يجب أن يصدر عن مؤسسات الدولة، لكننا نجد العكس في تركيبة ترفع شعار السيادة والحياد من جهة، فيما تعيش على وقع مؤثرات إقليمية ودولية، ووقائع ميدانية واقتصادية تضغط على المساحة التي يتحرك فيها هذا القرار من جهة ثانية».

رئيس الجمهورية «جوزاف عون» قال صراحة إن قرار «حصرية السلاح» قرار داخلي وليس مطلباً مفروضاً من الخارج، وإن قرار مجلس الوزراء بهذا الشأن يُنفّذ من خلال الجيش وفق الإمكانات والظروف. كما ربط بناء الدولة بمبدأ «حصرية السلاح» وقرار «السلم والحرب».

بالتأكيد، من شأن هذه المواقف أن تضع الأساس الدستوري والسياسي في مقدمة بناء الدولة المستقلة. إلا أن رأياً آخر يرى أن السيادة لا تُقاس فقط بما تعلنه الدولة، بل أيضاً بقدرتها على تحويل هذا الإعلان إلى واقع ثابت على الأرض، ليس من بوابة فرض سلطتها في الداخل فحسب، وإنما انطلاقاً من عقيدة الجيش، الذي يفترض، بقدر ما يقوم بحماية الداخل وتأمين سلمه الأهلي، أن يمنع أي اعتداء أو خطر يهدد لبنان وسيادته وأمن مواطنيه.

وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً وضرورة: فإذا كانت الدولة هي صاحبة القرار، وهذا هو المفترض والمنطقي، فإن الأكثر منطقية هو التساؤل: كيف يمكن تحقيق ذلك بمنأى عن التوصيات والإملاءات والرغبات المستوردة عبر مشاريع خارجية باتت واضحة؟

لذلك، تحتاج الدولة إلى قدرة عسكرية وأمنية وإدارية واقتصادية، وإلى سيطرة فعلية على كامل أراضيها، وإلى قدرة على حماية حدودها، وإلى مؤسسات تستطيع تنفيذ ما تقرره السلطة السياسية، بروح نص الدستور الذي يمنع أي تدخل في شؤون الدولة الداخلية.

ومن هنا يمكن الاستناد إلى جملة من المعطيات التي واكبت زيارات الموفدين العسكريين والسياسيين الأجانب إلى بيروت، وطرحهم أنماطاً جديدة للتعاطي مع المرحلة القائمة، ولا سيما لجهة القرار السياسي الذي تُبنى عليه كل القرارات الأخرى، والتي تأتمر بمندرجاته، وفي مقدمتها المؤسسات الأمنية والعسكرية.

ولا سيما أن ما يحاول الاحتلال فرضه، تارة بالنار وطوراً بالوساطة عبر «الميكانيزم»، هو مصادرة قرار الجيش، حتى في تشكيلاته ووحداته، ولا سيما المنتشرة في جنوب لبنان، بعد أن أظهرت حادثة «دير ميماس» توجهاً إسرائيلياً للتدخل في أسماء الضباط والعسكريين، وطلب تزويده بأسماء وانتماءات طائفية ومناطقية ينحدر منها ضباط وجنود الجيش اللبناني.

وهو ما يوحي بمؤشر خطير، إذا ما واجهته الدولة ومنعته، ولا سيما أن لبنان، رغم كل العواصف الأمنية التي عصفت به، أبقى مؤسساته العسكرية ركناً ضامناً لبقائه ولسلمه الأهلي.

ويبقى السؤال: هل تستطيع الدولة أن تحوّل شعار استعادة القرار الوطني من موقف سياسي معلن إلى ممارسة فعلية، في ظل الضغوط الخارجية وإخفاق الحلول الداخلية؟

أخبار مماثلة