حين كنّا صغارًا، كان الحلمُ صغيرًا، طائرةً من ورق، نركضُ خلفها في الطريق، ونظنُّ أن السماء تتسعُ لكلِّ ما نتمناه. كبرنا...
وكبر الحلم.
مدرسة، ثم جامعة، وشهادة، ووظيفة، وزوجة، وبيت، وأطفال نعلِّق على ضحكاتهم ما تبقّى من أحلامنا. كان ذلك حلمًا... جميلًا، بسيطًا، قريب المنال. لكن شيئًا ما كان يكبر في أعماقنا بصمت. كبرنا، فاكتشفنا أن الحلم الحقيقي لم يكن بيتًا نسكنه، ولا وظيفة نؤمّن بها الغد، ولا شهادة نعلّقها على الجدار... كان وطنًا. وطنًا فقدناه ولم يفقدنا. حرية سُلبت، وعدالة غابت، وأرض ما زالت تنادينا بأسمائنا الأولى. عندها تغيّر معنى الحلم. لم نعد نحلم بما نملك، بل بما نستحق.
لم نعد نريد نافذة نطل منها على العالم، بل وطنًا نكون فيه من العالم. لم نعد نريد أن نورّث أبناءنا بيوتًا فقط، بل وطنًا، لا يرثون منّا المنفى، ولا مفاتيح الانتظار، ولا حكاية مؤجلة اسمها العودة. كبر الحلم... حتى صار أثقل من العمر، وأوسع من المنفى، وأبعد من الخوف. صار وطنًا وحرية وكرامة. وصار الطفل الذي كان يركض خلف طائرة من ورق يعرف الآن أن بعض الأحلام لا تُطوى كالورق، ولا تسقط حين تعصف بها الريح. بعض الأحلام تكبر بنا حتى تصبح حقًّا. كبر الحلم... ولم نكبر عليه. كبر الحلم، وبقي الوطن في آخر الطريق ينادينا: تعالوا...
فهذا الحلم لم يكن يومًا أكبر من حقّكم.