لا تبقى نتائج الاحتجاجات الشعبية محصورة في القضايا التي أخرجت الناس إلى الشوارع. فقد تبدأ المطالب من المدرسة أو الجامعة أو أزمة السكن، ثم تتحوّل إلى امتحان لسلطة الحكم وقدرته على اتخاذ القرار. وحين تكون للحكومة مواقف خارجية تثير اعتراض دول أخرى، يكتسب ضعفها الداخلي بُعداً دولياً، حتى لو كانت أسباب الاحتجاج محلية تماماً. من هذه الزاوية، تستحق التحركات في فرنسا وإسبانيا قراءة تتجاوز يوميات المظاهرات والمواجهات.
ففي فرنسا تتصدر المطالب المتعلقة بتمويل التعليم ونقص المدرّسين وظروف الدراسة، بينما تحتل أزمة السكن والإيجارات والإخلاء موقعاً أساسياً في الاحتجاج الإسباني. وهذه مطالب ينبغي النظر إليها بجدية، باعتبارها تعبيراً عن مشكلات اجتماعية قائمة، لا اختزال أصحابها في أدوات لصراعات خارجية. لكن الاعتراف بالأسباب الداخلية لا يمنع السؤال عن النتائج الخارجية. فالحكومة التي تنشغل باحتواء الغضب الشعبي، وحماية تماسكها السياسي، تصبح أمام خيارات أصعب حين يتعلق الأمر بمواجهة ضغوط دبلوماسية. وقد تتراجع قدرتها على المبادرة، أو ترتفع الكلفة الداخلية للاستمرار في موقف خارجي مثير للخلاف.
وهذا احتمال سياسي، وليس نتيجة حتمية لكل احتجاج. وتبرز هنا مواقف باريس ومدريد من القضية الفلسطينية. فقد اعترفت فرنسا بدولة فلسطين في أيلول ٢٠٢٥، وعززت إسبانيا حظر السلاح على إسرائيل. وهي خطوات تعارضها الحكومة الإسرائيلية، وتمنح مسألة الاستقرار السياسي في البلدين أهمية تتجاوز حدودهما. فإذا ضعفت قدرة حكومتيهما على متابعة هذه السياسات، فقد يستفيد المعترضون عليها. غير أن الاستفادة من حدث لا تثبت المشاركة في صنعه.
وتستدعي هذه الصورة تجربة شارل ديغول، مع ضرورة ضبط المقارنة تاريخياً. فقد سبق موقفه من حرب حزيران ١٩٦٧ وحظر السلاح على إسرائيل اضطرابات أيار ١٩٦٨.
إلّا أن الاحتجاجات لم تُسقطه مباشرة؛ إذ حقق أنصاره فوزاً كبيراً في الانتخابات التشريعية في حزيران، ثم استقال في ٢٨ نيسان ١٩٦٩ بعد خسارة الاستفتاء المتعلق بإصلاح مجلس الشيوخ والتنظيم الإقليمي. ومن ثم، فإن تعاقب الخلاف مع إسرائيل والاضطراب الداخلي لا يكفي لإثبات علاقة سببية بينهما، وإن كان يفتح باب المقارنة بين ضغوط الداخل وطموحات السياسة الخارجية. أما سبتة، المدينة الخاضعة للسيادة الإسبانية على الساحل الشمالي لأفريقيا، فتضيف إلى النقاش مسألة الحدود والهجرة. وقد فرضت أزمة الوافدين الأخيرة أعباء على مرافق الاستقبال، وأصبحت عامل ضغط سياسي على حكومة بيدرو سانشيز. وهنا أيضاً، يتحوّل تحدٍّ إنساني وإداري إلى قضية تتداخل فيها العلاقات الخارجية مع الصراع السياسي الداخلي.
ولسبتة سابقة أوضح في أيار ٢٠٢١، عندما عبر آلاف الأشخاص من المغرب في ظل خلاف دبلوماسي أعقب استقبال إسبانيا زعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي للعلاج. وقد أدان البرلمان الأوروبي آنذاك استخدام المغرب مراقبة الحدود والهجرة وسيلة ضغط سياسي على إسبانيا. وتكمن أهمية هذه السابقة في أن الحديث عن توظيف الهجرة استند إلى موقف مؤسسي معلن، لا إلى مجرد التساؤل عمن استفاد من الأزمة. ومع ذلك، لا يجوز نقل تفسير واقعة إلى أخرى من دون أدلة مستقلة. فما حدث في سبتة سنة ٢٠٢١ لا يفسّر تلقائياً الأزمات اللاحقة، ولا يثبت صلة إسرائيل بها أو بالاحتجاجات الفرنسية والإسبانية. ولا يقدم هذا المقال دليلاً على أن إسرائيل نظّمت تلك التحركات أو موّلتها، سواء اليوم أو في فرنسا سنة ١٩٦٨.
إنما يطرح سؤالاً مختلفاً: كيف تؤثر الأزمات الداخلية في قدرة الحكومات على مواصلة سياسات خارجية يعارضها آخرون؟ فثمة فرق بين نشوء الاحتجاج، واستغلاله سياسياً، والاستفادة من نتائجه. ولكل مستوى أدلته. وقد يكون الاحتجاج محلي المنشأ، صادق المطالب، وتترتب عليه مع ذلك مكاسب لقوى خارجية لم تشارك في إطلاقه.
كما أن احتمال الاستغلال الخارجي يظل موضوعاً مشروعاً للبحث، شرط ألّا يتحوّل الاحتمال إلى اتهام مستتر. إن استقلال القرار الخارجي لا يقوم على المواقف المعلنة وحدها، بل يحتاج أيضاً إلى ثقة داخلية ومؤسسات قادرة على معالجة مظالم المواطنين. ولذلك، فإن الاستجابة للتعليم والسكن، وإدارة الهجرة بما يصون الكرامة الإنسانية ويضمن انتظام الحدود، تمثل جزءاً من حماية القدرة على القرار. وتبقى مهمة الكاتب أن يضيء هذه العلاقات، وأن يطالب بالدليل حيث يبدأ الاتهام.