يحتضن قلبي أحبّةً مميّزين، يعطّرون أيّامي بشذى محبّتهم، ويمنحون الحياة في عينيّ معنى أعمق وأجمل. أنار الله باطنهم وظاهرهم بأنوار أسمائه الحسنى، وكحّل أبصارهم وبصائرهم بأسرار آياته، وأدام المحبّة بيننا خالصةً لوجهه الكريم، موصولةً بودّه، ممتدّةً إلى يوم لقائه.
ففي بعض الأحيان، عليك أن تعتذر إلى نفسك عن سوء اختيارك لبعض الناس؛ فليس كلّ من اقترب من القلب أهلًا للإقامة فيه، وليس كلّ من أجاد الكلام صادقًا في الودّ، ولا كلّ من أظهر الوفاء ثابتًا عليه. إنّ انتقاء الأشخاص أشبه بالبحث عن الذهب في خليط من المعادن؛ إذ لا تكشف الجواهر عن حقيقتها ببريقها وحده، بل بما تصمد أمامه من اختبارات الزمن، وما تتركه في النفس من طمأنينة وأمان.
وأجمل ما في الحياة أن تكتشف وجود أناسٍ تشبه قلوبهم اللآلئ في رقّتها ولمعانها وصفائها ونقائها، لا تحمل إلا الصدق والوفاء والمحبّة والإخاء. أناسٌ إذا حضروا أزهرت الأرواح، وإذا تحدّثوا اطمأنّت القلوب، وإذا غابوا بقي أثرهم شاهدًا على جمال أرواحهم ونبل معادنهم. لا يثقلون الحياة بعتابٍ جارح، ولا يلوّثون المودّة بمصلحة عابرة، بل يمنحونك من صفاء نفوسهم ما يجعلك تؤمن بأنّ الخير لا يزال يسكن القلوب، وأنّ الدنيا، على ما فيها من تقلّبات، لم تخلُ بعدُ من أهل الوفاء.
إنّهم مصابيح قليلة، لكنّ نورهم يمتدّ في عتمات الحياة، ويمنح دروبنا دفئًا حين يشتدّ البرد في المشاعر، وأملًا حين تضيق المسالك. لا يغمرهم النسيان، لأنّهم شموس ساطعة في سماء أيّامنا؛ وإذا ابتعدوا، ظلّ نورهم مقيمًا في الذاكرة، كأنّهم لم يبرحوا القلب يومًا.
ولعلّ من أبلغ ما نتعلّمه من تجارب العمر أنّ قيمة الإنسان لا تُقاس بكثرة معارفه، بل بصدق من يبقون إلى جانبه حين تتبدّل الظروف، وتتراجع المصالح، وتنكشف الوجوه على حقيقتها. فالصداقة ليست كثرة لقاءات، ولا وفرة كلمات، بل موقفٌ نبيل حين يعزّ الناصر، ويدٌ تمتدّ حين تتراجع الأيدي، وقلبٌ لا يتغيّر حين تتغيّر الأحوال. وما أكرم أن يرزقك الله إنسانًا لا تحتاج معه إلى تبرير حزنك، ولا إلى إثبات صدقك، ولا إلى التوسّل كي يبقى؛ لأنّ المودّة الصادقة لا تُستجدى، والوفاء الأصيل لا يُشترى، والقلوب النقيّة لا تعرف للمحبّة ميزانًا غير الإخلاص.
قال أحد الحكماء: «تواصلوا مع أصحابكم، فالصاحب الوفيّ مصباح مضيء، قد لا تدرك نوره إلا إذا أظلمت بك الدنيا».
وما أعمق هذه الحكمة؛ فكم من نعمةٍ ألفنا وجودها حتى حسبناها أمرًا عاديًّا، وكم من قلبٍ وفيٍّ لم ندرك عظيم فضله إلا حين احتجنا إلى دفء حضوره! لذلك، لا تؤجّلوا كلمة محبّة، ولا تبخلوا على أحبابكم بسؤالٍ صادق، ولا تجعلوا مشاغل الحياة تسرق منكم حقّ القلوب التي أحسنت إليكم. فالأيّام تمضي، والأعمار تنقضي، وما يبقى في نهاية المطاف ليس ما جمعناه من متاع، بل ما زرعناه من خير، وما صُنّا من ودّ، وما تركناه في نفوس الآخرين من أثرٍ طيّب. فطوبى لمن كان لغيره سكينةً في القلق، ونورًا في العتمة، ووفاءً لا تنال منه تقلّبات الزمن.
اللهمّ إنّي أسألك أن تحفظ الرفاق والأحبّة من كلّ فراق، وأن تصون قلوبهم من الانكسار، وأيّامهم من الأحزان، وأن تزيل عنّا وعنهم كلّ كربٍ وهمٍّ وشقاق، وأن تجعل مودّتنا فيك، ولقاءنا على الخير، وفراقنا إن كُتب علينا فراقًا على جميل الذكر وحسن الوفاء.
اللهمّ يا من أوجد فأبدع، وأرشد فأقنع، وأعطى فأوسع، يا من له الحمد في الأولى والآخرة، اجعلني وأحبّتي أغنى خلقك بك، وأفقر عبادك إليك، وارحمنا رحمةً تغنينا عمّن سواك، واجمع قلوبنا على المحبّة والصفاء، وأدم بيننا نعمة الودّ والإخاء، واصرف عنّا شرور النفوس وتقلبات الدهر، واكتب لنا من جميل أقدارك ما تقرّ به العيون وتطمئنّ به القلوب.
اللهمّ حقّق أمانينا بوطنٍ آمنٍ مطمئنّ، خالٍ من الكدر والأحزان، عامرٍ بالخير والعطاء، قويّ البنيان، مصون الكرامة، محفوظ السيادة، ينعم أبناؤه بالسلام والعدالة والازدهار.
اللهمّ احفظ لبنان، أرضًا وشعبًا، وأبعد عنه المحن والفتن، واجمع أبناءه على كلمة الخير، وألّف بين قلوبهم، واجعل مستقبل أجياله أكثر أمنًا وكرامةً ورجاءً.
آمين يا ربّ العالمين.