يُروى أنّ ملك قبيلة «حربستان» اعتقل رجلًا من قبيلة «كرامستان»، فما كان من قبيلة كرامستان إلّا أن جاءت بقدّها وقديدها، بشيوخها وفرسانها ووجهائها، مطالبةً الملك بالإفراج عن الرجل.
فدهش الملك من كثرة الحشود التي جاءت من أجله، وسألهم: «مَن هذا الرجل الذي جئتم تطالبون بإطلاق سراحه؟»
فأجابوا بصوتٍ واحد: «إنّه أميرنا وراعي قبيلتنا!»
فقال الملك: «لكنّه لم يُخبرنا عن نفسه، ولم يُعرّفنا بمكانته».
فأجابوا بثقةٍ واعتزاز: «أنفَ أن يُذلّ نفسه، وأراد أن يُريك عزّته بقومه، ومكانته بين أهله».
فما كان من الملك إلّا أن أطلق سراحه، بعد أن أكرم وفادتهم وأغدق عليهم العطايا والهدايا.
وبعد أيّام من وقوع الحادثة، بلغ الملكَ خبرٌ مفاده أنّ الرجل لم يكن أميرًا ولا وجيهًا، بل كان راعي الإبل عند قبيلة كرامستان! فأرسل إليهم مستفسرًا عن حقيقة ما صنعوه.
فجاءه ردّهم حاسمًا، يحمل من المعاني ما يفوق وقع الكلمات:
«لا أمير فينا إن ذلّ راعينا!»
هنا تكمن العبرة؛ فالقوم الذين ينتصرون لضعيفهم، ويصونون كرامة أبسط أفرادهم، هم وحدهم الذين يستحقّون المجد. فليست عظمة الجماعات بما تملكه من قوّة أو جاه، ولا بما يتصدّره أبناؤها من مناصب، بل بما تحفظه من كرامة الإنسان، وبما تُجسّده من تكافلٍ وتراحمٍ ووحدةٍ في المواقف. فلا خير في قومٍ يُصان فيهم حقّ القويّ ويُهدر حقّ الضعيف، ولا مجد لقومٍ يتخلّى بعضهم عن بعض ساعة الشدّة.
إنّ الحياة أقصر من أن نُبدّدها في المهاترات والأحقاد، وأثمن من أن نُثقلها بالصغائر، وأجمل من أن نُطفئ وهجها بالتناحر والتنافر. فلنترفع عن كلّ ما يُفرّقنا، ولنتمسّك بكلّ ما يجمعنا، ولنجعل من الكرامة مبدأً لا يتجزّأ، ومن الوفاء عهدًا لا تنقضه المصالح، ومن نصرة المظلوم واجبًا لا تحكمه المكانة ولا يقيّده الجاه.
ولنعلم أنّ الأمجاد الحقيقية لا تُبنى لإرضاء الحاضر فحسب، بل تُصنع لتكون إرثًا كريمًا تتوارثه الأجيال، ومنارةً تهتدي بها حين تشتدّ العواصف وتضيق السبل. فلنصنع مجدًا يفتخر به أبناؤنا، ويجدون في مآثرنا ما يعينهم على مواصلة الطريق بعزّةٍ وكرامة. فالمستقبل لا يُمهّد بالأماني وحدها، بل بالعمل الدؤوب، والصبر الجميل، والكفاح الذي لا يعرف الاستسلام.
وما أبلغ أن يكون معيار عظمتنا هو مقدار ما نصون من كرامة، لا مقدار ما نملك من سلطة؛ وأن يكون عزّنا في رفع شأن الضعيف، لا في الترفّع عليه. فالأمم لا تنهض حين يتعالى قويّها على ضعيفها، بل حين يشعر أضعف أبنائها أنّ له فيها سندًا، وحقًّا، ومكانًا لا ينتقص منه أحد.
ولنجعل شعارنا قول الله تعالى:
﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾.
صدق الله العظيم.