ولجت إسرائيل مسارا جديدا، ودلفت الى محطة مغايرة، ولم تعد مرحلة ما قبل الانتخابات للكنيست الإسرائيلي ال 26 كما قبلها، كونها رسمت ملامح مشهد إسرائيلي مختلف تماما عما كان عليه قبل 27 تشرين اول / أكتوبر 2026، ودخل بنيامين نتنياهو وأقرانه في تيار اليمين المتطرف في مأزق سياسي عميق، وغير مسبوق في تاريخ حملاته الانتخابية السابقة، منذ أول حكومة شكلها عام 1996، حتى نهاية الحكومة السادسة، جسدتها نتائج انتخابات الكنيست التي انتهت قبل 4 أيام. والتي أسفرت عن خسارة تياره الأغلبية البرلمانية، ولم يعد بإمكانه تشكيل حكومة، بسبب خسارة الليكود عددا من مقاعده، وصعود القوائم الفلسطينية، وبحكم افتقاده القدرة على حشد 61 مقعدا. هذا المأزق التاريخي للرجل القوي في إسرائيل، وضعه بين نارين، بين عنجهيته وغطرسته وتغوله على الساحة الحزبية والسياسية والقانونية، المتلازمة مع شروطه وأهدافه في التخندق في كرسي الحكم الى ما شاء الله، وابتزاز اقرانه له في الائتلاف وخاصة ايتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريش، بما أنه مضى مع خياراتهما – خياراته الإبادوية والعنصرية المنفلتة من كل عقال، وإدارة ظهر كليا لخيار السلام، وتماديه مع عصابته في انتهاك حقوق ومصالح المجتمع الإسرائيلي على الصعد كافة وخاصة القانونية، عبر الانقلاب القضائي، وأكثر تحديدا على المواطنين الفلسطينيين في الجليل والمثلث والنقب والمدن المختلطة. كما اعمى بصيرته ارتهانه للرئيس الأميركي دونالد ترمب وأقطاب ادارته، وأيضا طاش على شبر ماء في اعقاب حملات التصفيق الهوجاء ومدفوعة الثمن لأعضاء الكونغرس والشيوخ، خلال الدورات الأميركية السابقة، فاعتقد أنه بات يملك الكون، ويقرر باسم الرعاية والحماية الأميركية على العالم، وليس على الشعب العربي الفلسطيني وشعوب الامة العربية ودول الإقليم، بما في ذلك حلفائه من عرب وعجم.
بات رئيس حكومة تسيير الاعمال في ايامها الأخيرة، في حالة أرق وتوتر نتاج اصطدامه بالواقع الجديد، الذي لم يألفه منذ عقدين، لأن تيار المعارضة يسن اسنانه ويتربص له، مع بدأ أعمال الكنيست الجديد في العاشر من تشرين ثاني / نوفمبر الحالي (2026)، وأول توجهاتهم، تغيير رئيس الكنيست خاصته أمير أوحانا؛ والغاء أو تعديل التشريعات والقوانين المثيرة للجدل للائتلاف القائم حتى اللحظة؛ مراجعة قوانين التجنيد والمساواة في العبء، وإلغاء أي استثناء للطلاب الحريديم؛ قوانين وتدابير الطوارئ والرقابة على الموازنة: طالبت المعارضة بإعادة ضبط الموازنات العامة وتقليص المخصصات المالية التي كانت تذهب للائتلافات الحزبية والاستيطان والمدارس الدينية، وتوجيهها للاقتصاد وملفات إعادة الاعمار؛ مراجعة وتعديل التشريعات المتعلقة بالانتخابات والدعاية؛ تثبيت ولاية رئيس الوزراء بولايتين وبأثر رجعي، ودون اعفاء نتنياهو منها، الذي قاد إسرائيل 12 عاما متواصلة؛ تعديل "قانون أساس الحكومة" عبر ما يُعرف ب "قانون المتهم"، ليمتد منع التعيين والتعليق التلقائي بسبب لوائح الاتهام من منصب الوزير ليشمل منصب رئيس الوزراء أيضا.
تهدف هذه الالية القانونية الى قطع الطريق على نتنياهو ومنعه من تشكيل حكومة جديدة أو الاستمرار في منصبه في ظل محاكماته الجارية بتهم الفساد، وبالتالي حرمانه من تشكيل حكومة اقلية، أو موسعة أو تحت أي مسمى، مما يضعه وجها لوجه في مواجهة معارضة شرسة تستهدف إقصائه كليا عن المشهد السياسي، والغرق في متاهة الضياع القادمة والفضل هنا مجددا للنواب الفلسطينيين العرب، الذين حرموه من المناورة، والتلاعب بقوى التغيير بقيادة زعيم يشار غادي ايزنكوت.
وممن ساهموا في فقدانه (نتنياهو) مركزه القوي، إبتزاز اقرانه له، أمثال ايتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريش الذين وضعوا عقبات أمام حركة زعيم الليكود السياسية، حيث كان يطمح قبل الانتخابات، لتشكيل حكومة موسعة (حكومة وحدة وطنية) بناءً على "التوجيهات الأميركية"، لكنهم ابتزوه وقيدوا حركته، وامتدادا لذلك الان، تشهد العلاقات بين أقطاب تيار الموالاة المندثر جدال حاد بين كتله الحزبية، حيث يحمل جمهور الليكود بن غفير المسؤولية الأولى عن دفع الجماهير الفلسطينية الى صناديق الاقتراع، نتاج تحريضه المتواتر عليهم، واللجوء لأساليب عنصرية استعلائية متغطرسة وهمجية، وحملوا زعيم "عوتسماه يهوديت" تبعات خسارة الليكود العديد من المقاعد، فلم يحصل في النقب من الأصوات العربية الا النذر اليسير، بل أن بعض المراقبين من الليكود، قالوا كان التصويت العربي في العديد من المراكز صفر.
كما ان كتلة نتنياهو المتطرفة تعيش ازمة وجود، وتفكك للتيار الأيديولوجي الذي يمثلوه، نتاج تهديد الأحزاب الدينية المتشددة، مثل يهوديته توراة بالانشقاق عن زعيم الليكود، لا بل أن أحد أبرز حاخامات الحزب دوف لاندو دعا أنصاره عمليا للانشقاق، ودعم ايزنكوت في الظل – من الخارج -، بالنتيجة القطب الذي مثله وقاده نتنياهو واقرانه، بات يتدحرج نحو الهاوية، وبالضرورة ستشهد إسرائيل تحول بالمعايير الصهيونية تغيرات جدية، ومؤثرة في السياسة والاقتصاد والملف الديني وبالعلاقة مع عصابات المستوطنين الإسرائيلية. ومن يعش يرى.
oalghoul@gmail.com
a.a.alrhman@gmail.com