19 جمادى الأولى 1448

الموافق

السبت 31-10-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

مقالات مختارة مقالات مختارة ما هي معايير الدستور والطائف لتحقيق لامركزية إدارية في لبنان؟
ما هي معايير الدستور والطائف لتحقيق لامركزية إدارية في لبنان؟
د. سمير حسن عاكوم
2026-10-31
ما هي معايير الدستور والطائف لتحقيق لامركزية إدارية في لبنان؟

 

ليست اللامركزية الإدارية في لبنان مجرد وسيلة لتسريع المعاملات أو تحسين الخدمات بل هي جزء أساسي من مشروع إعادة بناء الدولة الدستورية ومؤسساتها، فالتحدي الحقيقي لا يكمن في نقل الصلاحيات من بيروت إلى المناطق وإنما في تحديد كيفية توزيع السلطة والمسؤولية والموارد بما يضمن وحدة الدولة والمواطنة المتساوية والإنماء المتوازن والمحاسبة الفعلية. ومن هنا ينبغي ألا يكون السؤال هل نريد اللامركزية أم نرفضها؟ بل أي لامركزية نريد، وما المعايير الدستورية والوطنية التي تجعلها أداة لبناء الدولة لا وسيلة لإعادة إنتاج المحاصصة والامتيازات على مستوى المناطق؟ تبدأ الإجابة من الدستور اللبناني ووثيقة الوفاق الوطني أي اتفاق الطائف، وتكتمل بتحويل مبادئهما إلى مؤسسات وصلاحيات وموارد وآليات تنفيذ ورقابة واضحة.

تؤكد مقدمة الدستور أن لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه وجمهورية ديمقراطية برلمانية تقوم على الحريات العامة والعدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق والواجبات، وأن الشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة التي يمارسها عبر المؤسسات الدستورية. وهذه المبادئ ليست شعارات منفصلة عن الواقع الإداري بل هي معايير ينبغي أن تحكم تنظيم الدولة وعلاقتها بمواطنيها. فإذا كانت السيادة واحدة والحقوق الدستورية متساوية فإن اللامركزية لا يجوز أن تتحول إلى إنشاء سلطات متنافسة أو مناطق مغلقة سياسياً وطائفياً. لكنها في المقابل لا تقتضي بقاء كل قرار إداري وإنمائي رهينة المركز بصرف النظر عن اختلاف حاجات المناطق وقدراتها.

والتمييز هنا أساسي بين مركزية الدولة في السيادة والسياسات الوطنية ولامركزية الإدارة في تدبير الشؤون المحلية والإنمائية. تتولى الدولة المركزية الوظائف السيادية و السياسة الخارجية والدفاع ووضع المعايير الوطنية وضمان الحقوق الأساسية، فيما تتولى السلطات المحلية إدارة الشؤون التي يمكنها معالجتها بكفاءة أكبر ضمن القانون ورقابة المؤسسات المختصة، بهذا المعنى لا تنتقص اللامركزية من الدولة بل تعزز قدرتها على الوصول إلى المواطنين وتحقيق العدالة بين المناطق.


نصّت وثيقة الوفاق الوطني على اعتماد اللامركزية الإدارية الموسّعة على مستوى الوحدات الإدارية الصغرى، وربطتها بمراجعة التقسيمات الإدارية وبتعزيز الانصهار الوطني والمحافظة على وحدة الأرض والشعب والمؤسسات، وهذا يوضح أن اللامركزية المقصودة ليست بديلاً من الدولة الموحّدة بل وسيلة لتوسيع المشاركة وتحسين الإدارة وتحقيق الإنماء المتوازن. لكن إعلان المبدأ لا يكفي فاللامركزية تحتاج إلى قانون يحدد الاختصاصات ومجالس أقضيّة منتخبة وموارد مالية مستدامة وإدارات مؤهلة ورقابة مستقلة، ومن دون هذه العناصر قد تبقى الصلاحيات الفعلية في المركز أو تنتقل إلى المناطق من دون ضمانات تمنع احتكارها من القوى السياسية المحلية. إن احترام الطائف لا يتحقق بتكرار نصوصه بل باستكمال الإصلاحات التي تترجم مقاصده إلى مؤسسات فاعلة وتمنع تحويل الإدارة العامة إلى شبكة من الولاءات والوساطات.

أخطر ما يمكن أن يواجه اللامركزية هو نقل منطق المحاصصة من السلطة المركزية إلى المجالس المحلية. فإذا بقيت الخدمات والوظائف والمشاريع مرتبطة برضا الزعيم أو نفوذ الجماعة السياسية فلن يتغيّر واقع المواطن بل ستتعدد مراكز الوساطة التي يتحتم عليه اللجوء إليها. لذلك ينبغي أن يكون المعيار الأول هو المواطنة المتساوية، فالمجلس المحلي مؤسسة عامة مسؤولة أمام جميع المواطنين والمقيمين ضمن نطاقها وليس ملكية  سياسية لطائفة أو زعامة. ويقتضي ذلك انتخابات تنافسية ونزيهة ومشاركة فعلية في تحديد الأولويات وشفافية في الموازنات والعقود وحقاً في الاطلاع والاعتراض والمحاسبة، كما ينبغي حماية التعددية المحلية ومنع أي أكثرية من إقصاء المكونات الأخرى، فاللامركزية الناجحة لا تحوّل التنوّع إلى حدود فاصلة بل تجعله مورداً للمشاركة والتعاون في ظل قانون واحد وحقوق متساوية.

من أبرز أسباب تعثّر الإدارة اللبنانية تداخل الاختصاصات بين الوزارات والمحافظات والقائمقامين والبلديات والمؤسسات العامة. وعندما تتوزع الصلاحيات من دون تحديد المسؤولية يصبح من السهل تبادل الاتهامات عند الفشل بينما تضيع حقوق المواطنين بين الإدارات، لذلك ينبغي أن يحدد قانون اللامركزية بوضوح مسؤوليات ثلاثة مستويات مترابطة، الدولة المركزية ومجالس الأقضيّة والبلديات. تتولى الدولة السياسات الوطنية والوظائف السيادية والمعايير العامة، وتدير المجالس المناطقية المشاريع والخدمات التي تتجاوز قدرة البلدية الواحدة، فيما تركز البلديات على الشؤون المحلية الأقرب إلى الحياة اليومية للسكان. ويمكن تطبيق هذا التوزيع في مجالات التعليم والصحة والنقل والنفايات والتخطيط العمراني والطاقة والبيئة شرط تحديد الجهة صاحبة القرار والجهة الممولة والجهة المنفذة والجهة الرقابية.

ولا يكفي نقل الاختصاصات على الورق بل يجب أن تنتقل معها الموارد البشرية والمالية والقدرات الفنية اللازمة، فإسناد المسؤولية إلى مجلس لا يملك التمويل أو الخبرة لا يحقق اللامركزية وإنما ينقل إليه عبء الفشل، اذ لا تستطيع المجالس المحلية التخطيط والتنفيذ إذا بقي تمويلها رهينة قرارات استنسابية من المركز. وفي المقابل لا يجوز أن تتحول الاستقلالية المالية إلى إنفاق غير خاضع للمحاسبة، لذلك يجب أن يقوم التمويل اللامركزي على موارد محددة بالقانون وتوزيع عادل للتحويلات وشفافية كاملة في الإنفاق. وينبغي أن تراعي آليات التوزيع عدد السكان ومستوى الحرمان وكلفة تقديم الخدمات والحاجات التنموية والقدرة المالية المحلية، حتى لا تُعاقب المناطق الفقيرة بسبب ضعف قدرتها على تحصيل الإيرادات.

ويمكن دراسة إنشاء صندوق وطني للامركزية وفق قواعد معلنة تضمن استمرارية التمويل والتوازن بين المناطق على أن تخضع الحسابات للتدقيق المستقل وتُنشر تقارير دورية عن الإنفاق والإنجازات. أما الرقابة فيجب أن تضمن احترام القانون من دون إعادة إنتاج المركزية المقنّعة، فالمطلوب رقابة على مشروعية القرارات وسلامة الإنفاق لا إخضاع كل مشروع محلي لموافقات مسبقة تعطل التنفيذ. وتتكامل الرقابة الإدارية والمالية مع حق الطعن أمام القضاء المختص بما يحمي المال العام واستقلال القرار المحلي في آن واحد. إن مراجعة التقسيمات الإدارية ينبغي ألا تتحوّل إلى عملية لتوزيع النفوذ أو تحقيق توازن طائفي داخل كل منطقة، فالمعيار هو قدرة الوحدة الإدارية على التخطيط وتقديم الخدمات وتحقيق التكامل بين المناطق.

وتقترح الدراسة المفصلة التي نشرتها في المجلة القضائيّة حول اللامركزية في لبنان « نحو لا مركزية ادارية وفق قواعد الدستور اللبناني ووثيقة الوفاق الوطني» إعادة تنظيم البلاد ضمن اثنتي عشرة محافظة وتطوير مجالس مناطقية منتخبة تتمتع بصلاحيات إدارية ومالية. ويستحق هذا التصور نقاشاً جدياً لكنه يحتاج إلى اختبار موضوعي يأخذ في الاعتبار السكان والجغرافيا وشبكات النقل والموارد والبنى التحتية والقدرة على بناء إدارات كفوءة. فالتوازن العددي وحده لا يكفي كما أن حدود الوحدات الإدارية لا ينبغي أن تُرسم لخدمة توازنات سياسية ظرفية، المطلوب تقسيمات قابلة للحياة تستند إلى بيانات موثوقة ودراسات مالية واجتماعية وجغرافية وتُناقش بمشاركة البلديات والمجتمعات المحلية والخبراء.

تبرز في بيروت الحاجة إلى نموذج متقدم يوازن بين وحدة العاصمة وتنوع مناطقها وأحيائها ويعزز المشاركة المحلية في معالجة قضايا الخدمات والتخطيط والمساحات العامة، مع تحديد دقيق للعلاقة بين مجلس العاصمة والمحافظ والبلديات والوزارات منعاً لتداخل الصلاحيات وتشتت المسؤولية.

لا يمكن أن تنجح اللامركزية بمعزل عن إصلاح المؤسسات الدستورية والقضائية والرقابية، فالمجالس المحلية تحتاج إلى قضاء مستقل وإدارة مركزية كفوءة وسلطة تشريعية تراقب التنفيذ ومؤسسات تحمي المال العام، كما أن استكمال الإصلاحات الدستورية بما فيها البحث في إنشاء مجلس للشيوخ وفق الأطر التي يحددها الدستور والطائف ينبغي أن يكون جزءاً من مشروع متكامل يعزز المواطنة ولا يكرّس المحاصصة بصيغ جديدة. والأهم أن نجاح هذا المشروع يجب أن يُقاس بمؤشرات واضحة، جودة الخدمات وسرعة إنجاز المعاملات وعدالة توزيع الإنفاق ونسبة تنفيذ المشاريع ومستوى المشاركة الشعبية ونتائج التدقيق المالي وقدرة المجالس على معالجة شكاوى المواطنين، فالإدارة الحديثة لا تكتفي بإعلان الصلاحيات بل تقيس نتائجها وتصحح أداءها. إن الدولة القوية ليست تلك التي تحتكر كل قرار كما أن اللامركزية ليست دولة تتخلى عن مسؤولياتها، الدولة الفاعلة هي التي تعرف ما يجب أن تديره مركزياً وما ينبغي أن تتركه للمستوى المحلي وكيف تضمن تكامل المستويين تحت سقف الدستور والقانون.

إن معايير الدستور والطائف واضحة في اتجاهها، وحدة الدولة والمواطنة المتساوية والإنماء المتوازن والمشاركة والمساءلة، ويبقى التحدي تحويل هذه المبادئ إلى مؤسسات وصلاحيات وموارد قابلة للتنفيذ والتقييم. عندها تصبح اللامركزية خطوة في بناء الدولة الدستورية الفاعلة لا تسوية جديدة بين أصحاب النفوذ، ويغدو التنوع اللبناني رافعة للتكامل والإنماء لا مبرراً للتنافس على الامتيازات. فالمطلوب ليس توزيع الدولة على القوى السياسية بل إيصال الدولة إلى المواطنين أينما كانوا بوصفهم أصحاب حقوق متساوية وشركاء في مستقبل وطني واحد.


أخبار مماثلة