آهٍ يا زمن! وهل بعد الآه من وجع، وبعد الحنين من لوعة؟ ليت العمر يسوقنا، ولو إلى حين، إلى مرافئ النسيان؛ حيث تهدأ العواصف، وتخفت أصوات الأحزان، فنستردّ شيئًا من قوانا المبعثرة، ونستجمع ما تناثر من عزائمنا، ونستريح من عناء الصمت في زمنٍ أضحى فيه البوح ضربًا من المكابدة.
آهٍ لو كان للبكاء جدوى، أو كان في وسعه أن يستردّ لنا عقارب الساعة، فيردّنا إلى سالف عهدنا، إلى كانون الشتاء، وموقد الفحم، وأبٍ يداعب الجمرات بملقطه، يقلبها لعلّها تستعيد وهجها، وأمٍّ تُعدّ الحساء الساخن، وتسكب في دفئه حنانها، كأنها لا تطعمنا غذاءً فحسب، بل تُودع في أرواحنا طمأنينةً تسري فينا مسرى الدم في العروق. هناك، في بساطة تلك الأيام، كان للبرد معنى، وللبيت دفء، وللأمان وجهان لا يخطئهما القلب: أبٌ يظلّل، وأمٌّ تحتضن.
آهٍ، ثم آه! يمضي العمر في انسيابٍ لا يلتفت إلى متخلّف، ولا يستوقفه حنين، وتطوي الأيام صفحاتها، حتى يغدو الأمس أبعد من أن يُستعاد، وأقرب من أن يُنسى. ولعلّ في طيّ الغياب موعدًا للقاء، وفي انقضاء الرحلة مطلعًا لرحلةٍ أخرى، حيث لا فراق ولا انقطاع، بل اجتماعٌ في رحاب الرحمة والرضوان. فلا تقل: شئنا، فإنّ الله شاء، وله الأمر من قبل ومن بعد.
ولعلّ من أسرار الحياة أنّ الأشياء لا تُدرك حقائق جمالها إلا بأضدادها؛ فلولا البرد ما استبانت لذّة الدفء، ولولا الألم ما عرفنا قدر العافية، ولولا اليأس ما أشرق في نفوسنا نور الرجاء، ولولا البعد لما استيقظ فينا الشوق، ولولا طول الليل لما استبشرنا بطلعة الصباح. إنّ الأضداد، على ما بينها من تنافر، تتكامل في تشكيل وعينا، وتكشف لنا من وجوه النعمة ما كانت تألفه نفوسنا حتى كادت تغفل عنه.
وأمّا الهمّ، فليس مجرّد عارضٍ يعبر النفس ثم يمضي؛ إنّه بعض ما يستنزف العمر، ونصف الهرم، وقاصم العزم، وثِقَلٌ يُلقي بظلاله على الروح قبل أن تنال الجوارح نصيبها من العناء. ولعلّ أشدّ ما فيه أنّه يستوفي من المرء ضريبة المتاعب قبل أوانها، فيذيقه مرارة ما لم يقع، ويحمله عبء ما لم يحن وقته. لذلك كان الرضا حصن النفس، وكان حسن التوكّل على الله منجاةً من استبداد المخاوف واستطالة الهموم.
ورحم الله والدتي الطاهرة، «الأميرة الأيوبية»، وأسكنها فسيح جنّاته، وأعلى مقامها في الفردوس الأعلى؛ فقد كانت، رحمها الله، تردّد هذا الدعاء، وكأنها تستودع فيه قلبها، وتعلّمنا به أدب الوقوف على باب الله، وحسن الرجاء فيما عنده:
«الحمد لله الأوّل قبل الإنشاء والإحياء، والآخر بعد فناء الأشياء، العليم الذي لا ينسى من ذكره، ولا ينقص من شكره، ولا يُخيّب دعاء من دعاه، ولا يقطع رجاء من رجاه.
اللهمّ ثبّتنا على الإيمان ما أحييتنا، ولا تُزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة، وهيّئ لنا من أمرنا رشدًا، واجعل معونتك الكبرى لنا سندًا، ولا تُقفل في وجوهنا الأبواب، وتُب علينا يا غفور يا توّاب، إنّك أنت الغنيّ الوهّاب».
آمين، يا ربّ العالمين.
وهكذا، حين نستعيد شريط العمر، ندرك أنّ الزمن ليس مجرّد تعاقبٍ للأيام، ولا محض انقضاءٍ للأعمار؛ إنّه كتابٌ مفتوح، تكتب صفحاته فينا بقدر ما نترك فيها، ويأخذ من أعمارنا بقدر ما يخلّف في أرواحنا من عبر. وما الذكريات، في حقيقتها، إلا أعمارٌ أخرى تسكننا بعد أن يغادرها أصحابها، وتظلّ تنبض فينا كلّما أوقد الحنين جمرةً خمد وهجها في ظاهر الأيام.
فليس أجمل ما في الماضي أنّه كان، بل أنّه ترك فينا ما يستحقّ البقاء؛ من حبٍّ لا يبلَيه الغياب، وحنانٍ لا تطويه المسافات، وإيمانٍ يردّ النفس إلى سكينتها كلّما اضطربت بها الحياة. ولعلّ حكمة العمر كلّها أن نتعلّم كيف نحمل أوجاعنا دون أن تنكسر أرواحنا، وكيف نصون ذكرياتنا دون أن نستسلم لأسرها، وأن نمضي إلى ما بقي من الطريق بقلوبٍ راضية، وعزائم لا يستبدّ بها اليأس، ونفوسٍ مطمئنّة إلى أنّ تدبير الله أرحم من تدبيرنا، وأنّ ما عنده أبقى وأجمل.
فطوبى لمن خلّف في الذاكرة دفئًا، وفي القلب محبّة، وفي الدعاء أثرًا لا ينقطع؛ فذلك هو البقاء الذي لا يطويه الزمن، وذلك هو العمر الذي لا يُقاس بعدد السنين، بل بما أودعناه في نفوس الآخرين من خيرٍ وأثر.