ليس كل ما نخسره يُعدّ خسارة. أحيانًا نفقد شيئًا كنا نظن أن حياتنا لا تستقيم من دونه، ثم نكتشف، بعد أن نبتعد، أن ما فقدناه كان يأخذ من أرواحنا أكثر مما يمنحها.
قد نخسر علاقة أرهقنا فيها التبرير، أو صداقة صرنا نخشى فيها أن نكون على طبيعتنا، أو معركة طويلة لإثبات أننا لم نكن مخطئين. وقد نتراجع عن مكان اعتدنا وجودنا فيه، لا لأننا عجزنا عن البقاء، بل لأن البقاء صار يكلّفنا من هدوئنا وكرامتنا أكثر مما نستطيع احتماله.
نحن لا نغادر دائمًا لأن المحبة انتهت، ولا نصمت دائمًا لأن الكلمات نفدت. أحيانًا نغادر لأننا قلنا ما يكفي، وحاولنا أكثر مما ينبغي، وانتظرنا طويلًا أن يتغير شيء لا يريد أن يتغير. وأحيانًا نصمت لأننا فهمنا أن بعض النقاشات لا تبحث عن الحقيقة، بل عن انتصار طرف على حساب قلب الطرف الآخر.
لكن السلام النفسي لا يعني أن نهرب من كل خلاف، أو أن نقطع كل علاقة عند أول عثرة. فالحياة لا تخلو من اختلاف، والعلاقات الصادقة تحتاج إلى حوار وصبر ومراجعة. غير أن هناك فرقًا بين خلافٍ يقود إلى تفاهم، وخلافٍ يعيدنا في كل مرة إلى نقطة الألم نفسها؛ وبين علاقة تمرّ بوقت صعب، وعلاقة تجعلنا نعيش في خوف دائم من كلمة أو موقف أو خذلان جديد.
أن تحمي سلامك لا يعني أن تكون قاسيًا؛ قد يعني أن تتوقف عن طرق بابٍ أُغلق في وجهك مرارًا. ولا يعني أن تتخلى عن الناس بسهولة؛ قد يعني أن تكفّ عن التخلي عن نفسك كي يبقى الآخرون راضين عنك. فالإنسان الذي يعتذر عن وجوده، ويخفي وجعه، ويبدّل ملامحه حتى لا يزعج أحدًا، قد يحافظ على بعض العلاقات، لكنه يخسر شيئًا أثمن: قدرته على أن يكون نفسه.
وما أصعب أن نظن أن التمسك دليل وفاء دائمًا. أحيانًا يكون التمسك خوفًا من الوحدة، أو تعلقًا بصورة قديمة، أو أملًا في عودة شخص لم يعد كما عرفناه. نتمسك لأننا لا نريد أن نصدّق أن الطريق انتهى، فنظل نؤجل الرحيل، ونسمّي استنزافنا صبرًا، ووجعنا محبة، وانتظارنا وفاءً.
ثم يأتي يوم ندرك فيه أن المغادرة ليست دائمًا هزيمة. قد تكون أول قرارٍ اتخذناه منذ زمن لمصلحة أرواحنا. وأن خسارة من لا يرى قيمتنا لا تنتقص من قيمتنا، وأن خسارة مكانٍ لا يتسع لكرامتنا قد تفتح لنا بابًا نعيش فيه بطمأنينة أكبر.
كل ما نخسره في سبيل سلامنا النفسي ليس مكسبًا بالضرورة، لكن كل ما نعود به إلى أنفسنا بعد سنوات من الإنهاك هو مكسب عظيم. أن نستعيد نومنا، وأن نتكلم بلا خوف، وأن تمرّ علينا الأيام من دون أن ننتظر رسالة أو اعتذارًا لن يأتي؛ تلك مكاسب لا تُقاس بما خسرناه، بل بما استعدناه.
سلامنا النفسي ليس رفاهية، ولا ضعفًا، ولا أنانية. إنه المساحة التي نستطيع فيها أن نسمع صوتنا من جديد، وأن نتذكر من نحن بعيدًا عن الضجيج الذي فرضه الآخرون في داخلنا.
وحين نضطر يومًا إلى الاختيار بين أن نبقى في مكانٍ يؤذينا، أو أن نغادره مثقلين بالحزن، علينا أن نتذكر: قد نتألم لأننا رحلنا، لكننا سنتألم أكثر إن بقينا حتى نسينا أنفسنا.