بلغت مرحلة حبس الأنفاس ذروتها في المنطقة، بعدما تحوّلت التصريحات المتناقضة بين واشنطن وطهران إلى جزء من حرب الأعصاب التي تسبق الحسم. فالرئيس دونالد ترامب يهدّد أكثر من مرة في اليوم بتوجيه «الضربة القاضية» إلى إيران، ثم يعود ليعلن أن المفاوضات تحقق بعض التقدم. وفي المقابل، يحذّر المرشد الإيراني مجتبى الخامنئي من حرب مدمّرة وردٍّ «بلا حدود جغرافية»، فيما يمدّد الوفد الإيراني إقامته في الدوحة لمتابعة المفاوضات غير المباشرة مع الأميركيين.
هذه الازدواجية ليست تخبّطاً سياسياً وحسب، بقدر ما هي تفاوض بالنار. واشنطن تريد انتزاع أكبر قدر من التنازلات الإيرانية من دون أن تتخلى عن التهديد العسكري، وطهران تحاول تحسين شروطها على الطاولة عبر التلويح بتوسيع رقعة المواجهة، وإشعال ساحات لا تملك شعوبها قرار الحرب، ولا القدرة على وقفها.
وبين التهديدات والرسائل الدبلوماسية، تغلي المنطقة فوق صفيح ساخن. دول الخليج ترفع مستوى الاستعداد تحسّباً لاستهداف منشآتها وقواعدها وممراتها البحرية، ولبنان يراقب بقلق احتمال استخدام ساحته مجدداً ورقةً في الصراع، فيما تعود عبارة «عليّ وعلى أعدائي» لتختصر خطورة التفكير الإيراني الذي يريد توزيع كلفة المواجهة على دول الإقليم وشعوبها.
لكن قرار الحرب، إن اتُّخذ، لن تقتصر تداعياته على إيران والولايات المتحدة. أي انفجار واسع سيُهدد إمدادات الطاقة والملاحة في الخليج ومضيق هرمز، ويُشعل أسواق النفط، ويضع الاقتصادات العالمية أمام موجة جديدة من التضخم والاضطراب.
كلّ المؤشرات ترجّح أن الحسم لن يقع قبل الانتخابات النصفية الأميركية. ترامب لا يريد مغامرة عسكرية مفتوحة قبل أن يعرف اتجاه صناديق الاقتراع، كما أن طهران تراهن على عامل الوقت، لعل نتائج الانتخابات تخفف الضغوط عليها، أو تدفع واشنطن إلى خفض سقف شروطها. لذلك تبدو الأيام الفاصلة مرحلة لإدارة التوتر، لا لإنهائه، ولتبادل الرسائل، لا لتوقيع التسويات.
غير أن الرهان على تأجيل الانفجار لا يكفي لطمأنة أحد. فالساعات الفاصلة عن الانتخابات الأميركية ليست هدنة، بل زمن معلّق بين احتمالين كلاهما خطير: تسوية ما زالت شروطها غامضة، وحرب قد تبدأ بقرار من واشنطن أو طهران، لكنها لن تبقى محصورة داخل حدود معيّنة. ولهذا لم يعد القلق في لبنان ودول المنطقة مجرد انطباع سياسي، بل تحوّل إلى خوف يومي من صاروخ طائش، أو قرار متهور، أو جبهة تُفتح من دون استئذان الدول والشعوب التي ستدفع أثمانها.
لقد حان وقت القول بوضوح إن حماية لبنان لا تكون بانتظار نتائج المفاوضات في الدوحة، ولا بمراقبة صناديق الاقتراع في واشنطن، بل بإقفال كل الأبواب أمام استدراجه إلى المواجهة. فقرار الحرب والسلم يجب أن يبقى حصراً في يد الدولة، وأي سلاح يتحرك خارج هذا القرار يعرّض الوطن كله للخطر، ويكون بمثابة مغامرة وطنية مرفوضة، لا عملاً من أعمال المقاومة أو الدفاع.
المنطقة اليوم على مسافة خطأ واحد من الانفجار الكبير، ولبنان على مسافة قرار واحد من الكارثة. لذلك لم يعد الصمت حذراً، ولا الغموض حكمة، ولا التريث كافياً. المطلوب موقف لبناني رسمي وحاسم يعلن أن هذا البلد لن يكون ساحةً لحرب إيران، ولا درعاً لمفاوضاتها، ولا ضحيةً جديدة في صراع لا ناقة للبنانيين فيه ولا جملا.