يلاحق الجمود والتعثر مجلس السلام الذي أطلقه الرئيس الأميركي دونالد ترامب في 29 سبتمبر/أيلول 2025، ضمن خطته المعلنة آنذاك للوصول إلى اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة ووقف الحرب الإسرائيلية. وعلى الرغم من أن تأسيس المجلس جاء باعتباره هيئة دولية يُفترض أن تشرف وفي 31 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، كشفت وكالة بلومبيرغ عن طلب مجلس السلام من إيطاليا تقديم مستشارين من الشرطة وقوات الإطفاء وسلاح الجندرمة "الكارابينييري" للمساعدة في تشكيل قوة أمنية جديدة في قطاع غزة، وفقاً لرسائل اطلعت عليها الوكالة. وطلبت الرسائل، التي أُرسلت في سبتمبر الماضي إلى حكومة رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، من روما تعيين مسؤول اتصال، وترشيح ضابط رفيع المستوى من سلاح الجندرمة، وهو جهاز للشرطة العسكرية يخضع لإشراف وزارة الدفاع، لشغل منصب نائب مدير برنامج الشرطة التابع للمجلس.
دور المجلس وجديته
في الأثناء، قال مدير مركز عروبة للأبحاث والدراسات الاستراتيجية (غزة) أحمد الطناني إن هناك تساؤلات بشأن جدية مجلس السلام وقدرته على الوفاء بالتزاماته، في ظل إخفاقه في تنفيذ الاستحقاقات الأساسية للاتفاق، وعدم إحراز تقدم ملموس في الملفات الإنسانية والإدارية والتنفيذية. وأضاف الطناني لـ"العربي الجديد" أن "هناك إشكالية جوهرية مرتبطة بالطبيعة التنفيذية التي عمل بها مجلس السلام خلال العام الماضي، وعجزه عن ضبط حتى التفاصيل الأساسية للاتفاق، إذ لم تُنجز استحقاقات المرحلة الأولى، ولم يُنفذ البروتوكول الإنساني". كذلك شدد على عدم استكمال إجراءات إدخال لجنة التكنوقراط و"تمكينها من ممارسة مهامها وتحمل مسؤولياتها في قطاع غزة من دون تقديم مبررات واضحة، باستثناء محاولة إلقاء اللوم على الأطراف المنخرطة في الاتفاق".
وفي رأيه، فإن هذا الإخفاق يعني أن المجلس، رغم التفويض الواضح الممنوح له من مجلس الأمن، لم يتحرك بجدية لتنفيذ الخطوات العملية الموكلة إليه، إذ إن ما تحقق حتى الآن يعود أساساً إلى جهود الوسطاء، لا سيما مصر وقطر وتركيا، هؤلاء الوسطاء ضالعون بالدور الرئيسي في متابعة الاتفاق. يأتي ذلك، وفق الطناني، في وقت جرى فيه إلزام الجانب الفلسطيني باستحقاقات المرحلة الأولى، من دون ممارسة ضغط مماثل على دولة الاحتلال لتنفيذ التزاماتها. وأشار إلى أن دور مجلس السلام ظل، عملياً، محدوداً، ولم يرتقِ إلى مستوى التدخل الفعلي لضمان تنفيذ الاتفاق، بل اقتصر في جوانب منه على نقل المطالب الإسرائيلية، في مقابل طرح خطط وأفكار وتصورات واسعة أمام المجتمع الدولي، والمطالبة بتمويلها، من دون أن ينجح المجلس حتى الآن في جمع التمويل المطلوب بالشكل الكافي.
ورأى أن العجز عن توفير التمويل لا يرتبط فقط بالأزمات الدولية والاقتصادية، بل يعكس أيضاً تراجع الثقة الدولية بقدرة المجلس على أداء دور فاعل وحقيقي، سواء في قطاع غزة أو في الملفات الأخرى التي تطمح الولايات المتحدة إلى إشراكه فيها. وشدد على أن الإشكالية تتصل بمدى ثقة الأطراف الدولية والإقليمية بالمجلس، وبجدية تعامله مع المهام الموكلة إليه، في ظل استمرار الأوضاع الكارثية في القطاع.
مجلس السلام والانتخابات الإسرائيلية
من جهته، رأى الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني إياد القرا أن تحركات مجلس السلام بشأن قطاع غزة تتعلق، إلى حد كبير، بربط مسار عمله وفاعليته بنتائج الانتخابات الإسرائيلية (الثلاثاء الماضي، تصدر فيها معسكر بنيامين نتنياهو)، في ظل صعوبة توقع إقدام رئيس الحكومة نتنياهو على خطوات إيجابية تجاه التفاهمات والاتفاقات خلال فترة الانتخابات.
وقال القرا لـ"العربي الجديد" إن "زيارة جاريد كوشنر (مستشار ترامب وصهره) وممثلي مجلس السلام إلى المنطقة، ولقاءهم حركة حماس (أغسطس/ آب الماضي)، أظهرت أن هناك ترقباً لاحتمالات إحداث تغيير في المشهد السياسي الإسرائيلي بعد الانتخابات، بما قد يتيح إعادة تحريك ملف غزة والعودة إلى التفاهمات التي جرى التوافق عليها بمشاركة المجلس والولايات المتحدة". وأضاف أن المؤشرات الأخيرة توحي بإمكانية استئناف التحرك في هذا الاتجاه، لافتاً إلى أن الاتفاق المطروح قد يشكل فرصة لأي حكومة إسرائيلية مقبلة، سواء برئاسة نتنياهو أو شخصية أخرى، للتعامل بإيجابية مع التفاهمات القائمة، باعتبار أنها اتفاقات واضحة ومفصلة وقابلة للتطبيق. وبيّن القرا أن رفض إسرائيل الاتفاق سابقاً ارتبط، على الأرجح، باعتبارات سياسية داخلية، من بينها خشية أن يُفسَّر القبول به بأنه خضوع لحركة حماس، إلى جانب التهرب من المسؤوليات المترتبة على تنفيذ التفاهمات، لافتاً إلى أن المرحلة المقبلة قد تتيح مقاربة مختلفة، في حال قررت الحكومة الإسرائيلية التعامل بجدية مع الاتفاق وتنفيذ بنوده.