22 جمادى الأولى 1448

الموافق

الثلاثاء 03-11-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

مقالات مختارة مقالات مختارة انتخابات "إســـــــــــــرائيل" وعرب الداخل
انتخابات "إســـــــــــــرائيل" وعرب الداخل
غازي العريضي
2026-11-03
انتخابات "إســـــــــــــرائيل" وعرب الداخل

 

أخطر وأبرز ما رافق العملية الانتخابية في إسرائيل موقفان يختصران رأي الغالبية الساحقة من الإسرائيليين تجاه مستقبل "دولتهم"... قال زعيم حزب شاس: "لم يعد لديّ القوة لأتكلم. هذه هي الحقيقة. هناك خطر حقيقي هنا. لا أقول هذا عبثاً حتى لا نندم ونقول لاحقاً أين كنا. سنحاسَب على هذا. كل الحاخامات يقولون إن هذه هي آخر انتخابات قبل مجيء السيد المسيح. هل هذه هي الطريقة التي نريد بها استقبال السيد المسيح؟ ألا يستوعبون أن جميع قوى الظلام قد اتّحدت حتى تُبعد السيد المسيح وحتى لا نتمكن من استقباله. أتوسل إليكم إخوتي وإخواني: افعلوا ما في وسعكم". 
تزامن هذا الموقف مع الحملة المسعورة المشتركة بين أعضاء لائحتي نتنياهو وآيزنكوت ضد العرب، والتأكيد الحاسم أن لا دولة فلسطينية. يبرّر نتنياهو الاحتلال والاستيطان والتوسّع لمنع العرب من ترجيح الكفة. يصرّ على التهجير لتكريس الدولة اليهودية ومواجهة خطر الازدياد السكاني واستقدام ملايين اليهود من الخارج. لا يقبل آيزنكوت بدولة فلسطينية، وشراكة العرب في الحكومة محكومة بشروط: الاعتراف بالدولة اليهودية وقوانينها. ليبرمان مع الاستيطان ولا تحالف مع العرب. أولمرت رئيس الحكومة السابق دعا العرب إلى التصويت بكثافة "لتعود إسرائيل دولة لكل مواطنيها"، فردّ عليه الآخرون: "تريد للعرب أن يقرّروا مصير الدولة؟". نواب الليكود في الكنيست: "العرب لا يهتمون إلا بالإرهاب".
انتهت الانتخابات، ولم يتمكّن كل من نتنياهو وآيزنكوت من الحصول على غالبية تؤهل أحدهما لتشكيل حكومة بمفرده، ونال العرب 19 صوتاً في حدث استثنائي بتاريخ دولة إسرائيل، وتحديداً "الدولة اليهودية". ماذا سيجري الآن؟

من الاستحقاقات التي تنتظر الكنيست الجديد المطالبة بتشكيل لجنة تحقيق بأحداث "7 أكتوبر" (2023)، وهذا ما دأب نتنياهو على التهرّب منه، لأنه المتهم المباشر والأساسي بالمسؤولية عما جرى

الاستحقاق الأول: المفترض انتخاب رئيس جديد للكنيست، وهذه معركة سياسية كبرى، نظراً إلى أهمية الموقع ودور الكنيست في التشريعات واتخاذ القرارات السياسية. ثمة محاولة لانتخاب رئيس تكون توجهاته مع معارضي نتنياهو. تليها عملية إلغاء قوانين الإصلاح القضائي التي فرضها الأخير للتحّكم بالسلطة القضائية، لأكثر من سبب وغاية، بدءاً من محاولته ضمان عدم مقاضاته بالتهم الموجهة إليه، وصولاً إلى إسقاط القرارات التي يمكن أن تقيّد حركته بقراراتٍ قضائية. وهذا ما سبّب مشكلاتٍ مع الجهات القضائية، واستمر مستبيحاً كل شيء. ومن الاستحقاقات التي تنتظر الكنيست الجديد المطالبة بتشكيل لجنة تحقيق بأحداث "7 أكتوبر" (2023)، وهذا ما دأب نتنياهو على التهرّب منه، لأنه المتهم المباشر والأساسي بالمسؤولية عما جرى. 
في هذا الوقت، تستمر الاتصالات والمشاورات والمناورات لتسمية رئيس جديد للحكومة. من حيث المبدأ، من ينال الأكثرية قد يُكلّف، لكن هذا ليس شرطاً قانونياً حاسماً. كانت تسيبي ليفني عام 2009 تقود الحزب الذي نال أعلى نسبة من الأصوات، ولم تكلّف بل كلف نتنياهو. ولذلك ليس التكليف محسوماً لصالحه. وسنكون أمام الاحتمالات التالية: تشكيل حكومة برئاسة آيزنكوت من دون العرب، وبمشاركة أعضاء من القوائم الأخرى. تشكيل حكومة برئاسة نتنياهو يشارك فيها بن غفير وسموتريتش ضمن شروط معينة لا تحرج "الرئيس" أمام الرئيس الأميركي. وهذا يعني استمرار الحرب المفتوحة التي يقودها نتنياهو بتنسيق وتفاهم تام طبعاً مع الإدارة الأميركية. تشكيل حكومة برئاسة آيزنكوت ومشاركة عرب لمنع تجديد ولاية نتنياهو، ولكن بشروط وضعها "الرئيس" على العرب، في مقدّمتها القبول بالدولة اليهودية وتوجهاتها... كما ذكرنا، وهذا مسعى يقوم به يئير غولان، ونتائجه ليست مضمونة. الفشل في الوصول إلى تشكيل حكومة في المهلة المحددة دستورياً، والعودة إلى الانتخابات، وهذا يريح نتنياهو، ويعطّل فرصة انتخاب رئيس جديد للكنيست ومفاعيلها ويكسبه وقتاً، بالتزامن مع الحركة المفتوحة في المنطقة للوصول إلى تفاهم إيراني أميركي، رغم عدم التفاؤل بهذا، وبقاء خيار الحرب المفتوحة أكثر ترجيحاً لأن نتنياهو يريد هذا. هنا يبرز الموقف الأميركي الذي أكد "استمرار التعاون العسكري والاستخباراتي بين الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة إيران كالمعتاد، بصرف النظر عن نتائج الانتخابات، أو هوية الحكومة المقبلة التي ستشكّل. والإدارة تفضّل تشكيل حكومة واسعة في إسرائيل من دون متطرّفين"، والمقصود هنا سموتريتش وبن غفير.

حربٌ حقيقية على الوجود العربي في الدولة، حرب على الهوية واللغة والثقافة والفكر والعمل والإنتاج، حربٌ على لقمة العيش وشجرة الزيتون والأرض وخيراتها والحق في الوجود

ماذا عن العرب وموقعهم وتأثيرهم بعد النتيجة المفاجئة التي حقّقوها، وشكّلت صدمة كبيرة في المجتمع الإسرائيلي وجرس إنذار خطير سيستفيد منهما نتنياهو بشكل خاص، لتبرير ممارساته ومواقفه، والدفع في اتجاه مزيد من التصعيد ضدهم. كيف سيستثمر العرب الـ19 مقعداً؟ بالتأكيد، من الناحية السياسية والعاطفية ثمة جديدٌ نوعي يحصل في ردة الفعل على ما يقوم به نتنياهو وحكومته وحرب الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والعنصرية والتجويع والحصار والإصرار على التهجير والاستيطان، وثمة فرحة في الأوساط العربية، وفي المواقف لا عواطف. 
هذه سابقة، 19 نائباً عربياً في الكنيست: مسألة مهمّة، خطيرة، تعبّر عن تحوّل كبير في مركز التشريع في إسرائيل وموازين القوى فيها والموقف الإسرائيلي في مختلف الدوائر ضد العرب، ضد شراكتهم. ووصل نتنياهو إلى إعلانه صراحة: ضد وجودهم. من خلال تأكيده على تهويد النقب والجليل، وهذا يعني تهجير عرب الداخل أيضاً في سياق سعيه الدائم إلى إسقاط كل الحلول والاتفاقات في غزّة، واستكمال إجراءات ضمّها، إضافة إلى تهويد الضفة الغربية وضمها أيضاً، والعمل على تهجير الفلسطينيين إلى الخارج. وهذا ما غلّف الحملة على الناخبين العرب الذين "يهدّدون الدولة الديمقراطية في الشرق الأوسط"، ويريدون السيطرة على "القرار الإسرائيلي وإدارة الدولة". 
هي حربٌ حقيقية على الوجود العربي في الدولة، حرب على الهوية واللغة والثقافة والفكر والعمل والإنتاج، حربٌ على لقمة العيش وشجرة الزيتون والأرض وخيراتها والحق في الوجود. من هذا المنطلق، لفرحة الانتصار الانتخابي حدود. الانتصار مهم جداً، لكن الأهم معرفة المحافظة عليه واستثماره، وهذا يتطلب تفاهماً عربياً بالحد الأدنى بين مجموعة الـ19 التي لا يمكنها واقعياً فرض خياراتها بالكامل، لكن عليها التأثير في مسار "تشكيل الحكومة"، والحدّ من الأضرار أو الخسائر الآن. الانتصار هزيمة لنتنياهو وحكومته، ونجاح فلسطيني في الإصرار على التمسّك بالأرض والحق، لكنه خطر كبير عليهم في الوقت نفسه، يستوجب خطة متكاملة في الداخل لمواجهته.

االعربي الجديد
أخبار مماثلة